مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ} (13)

المرتبة الثانية : قوله تعالى : { ثم جعلناه نطفة في قرار مكين } ومعنى جعل الإنسان نطفة أنه خلق جوهر الإنسان أولا طينا ، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم المرأة فصار الرحم قرارا مكينا لهذه النطفة والمراد بالقرار موضع القرار وهو المستقر فسماه بالمصدر ثم وصف الرحم بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها كقولك طريق سائر أو لمكانتها في نفسها لأنها تمكنت من حيث هي وأحرزت .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ} (13)

13 - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ .

ثم جعلناه : جعلنا نسله – نسل آدم – فحذف المضاف .

نطفة : منيا ؛ بأن خلقناه من النطفة وهي المني .

قرار مكين : مستقر حصين أو متمكن ، يعني : الرحم .

ثم جعلنا نسله نطفة ، من مني في أصلاب الذكور ، ثم قذفت إلى أرحام الإناث ، فصار في حرز مستقر متمكن حصين ، ابتداء من الحمل إلى الولادة .

قال تعالى : وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ . ( السجدة : 7 ، 8 ) .

أي : من ماء ضعيف .

كما قال تعالى : ألم نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر معلوم * فقدرنا فنعم القادرون . ( المرسلات : 20- 23 ) .

القرار المكين

القرار المكين هو الرحم ، ومن يدرس تشريح الرحم ، وموضعه المكين الأمين في أسفل بطن المرأة ؛ ويرى ذلك الوعاء ، ذا الجدار العريض السميك ، ثم يرى هذه الأربطة العريضة والأربطة المستديرة ، وهذه الأجزاء من البريتون ، التي تشد إلى المثانة والمستقيم ، وكلها تحفظ توازن الرحم وتشد أزره ، وتحميه من الميل أو السقوط ، وتطول معه إذا ارتفع عند تقدم الحمل ، وتقصر إلى طولها الطبيعي تدريجيا بعد الولادة ، وكذلك من يدرس تكوين الحوض وعظامه ؛ يعرف جليا صدق قوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ .

وكذلك في الرحم سائل أمينوس ، داخل جيب المياه يعوم فيه الجنين بحرية ، ويدفع عن الجنين ما قد تلاقيه الأم من صدمات وهزات عنيفة ، قد تصل إليه فتؤذيه ، إن لم يهدئ هذا السائل من قوتها ويضعف من شدتها ، ثم هو يحتفظ للجنين بحرارة مناسبة ، حيث إنه موصل ردئ للحرارة ، وكذلك يقوم بعملية تحديد عنق الرحم ، وتوسيعه وقت الولادة ( القرن ) كما يقوم بعملية التطهير أمام الجنين بما فيه من خواص مطهرة ، فكل ذلك يزيد الرحم مكنة وأمنا )xiv .

وهكذا يظهر لنا مع تقدم العلم إعجاز هذا الكتاب ، وصدقه ، خصوصا أنه نزل على نبي أمي ، في عصر لم تكتشف فيه هذه المعارف .

قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . . . ( فصلت : 53 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ} (13)

والضمير في قوله تعالى : { ثُمَّ جعلناه نُطْفَةً } عائد على الجنس باعتبار أفراده المغايرة لآدم عليه السلام ، وإذا أريد بالإنسان أولاً آدم عليه السلام فالضمير على ما في «البحر » عائد على غير مذكور وهو ابن آدم ، وجاز لوضوح الأمر وشهرته وهو كما ترى أو على الإنسان والكلام على حذف مضاف أي ثم جعلنا نسله ، وقيل يراد بالإنسان أولاً آدم عليه السلام وعند عود الضمير عليه ما تناسل منه على سبيل الاستخدام ، ومن البعيد جداً أن يراد بالإنسان أفراد بني آدم والضمير عائد عليه ويقدر مضاف في أول الكلام أي ولقد خلقنا أصلاً الإنسان الخ ، ومثله أن يراد بالإنسان الجنس أو آدم عليه السلام والضمير عائد على { سلالة } والتذكير بتأويل المسلول أو الماء أي ثم صيرنا السلالة نطفة .

والظاهر أن { نُّطْفَةٍ } في سائر الوجوه مفعولاً ثانياً للجعل على أنه بمعنى التصيير وهو على الوجه الأخير ظاهر ، وأما على وجه عود الضمير على الإنسان فلا بد من ارتكاب مجاز الأول بأن يراد بالإنسان ما سيصير إنساناً ، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلق المتعدي إلى مفعول واحد ويكون { نُّطْفَةٍ } منصوباً بنزع الخافض واختاره بعض المحققين أي ثم خلقنا الإنسان من نطفة كائنة { فِى قَرَارٍ } أي مستقر وهو في الأصل مصدر من قر يقر قراراً بمعنى ثبت ثبوتاً وأطلق على ذلك مبالغة ؛ والمراد به الرحم ووصفه بقوله تعالى : { مَّكِينٍ } أي متمكن مع أن التمكن وصف ذي المكان وهو النطفة هنا على سبيل المجاز كما يقال طريق سائر ، وجوز أن يقال : إن الرحم نفسها متمكنة ومعنى تمكنها أنها لا تنفصل لثقل حملها أولاً تمج ما فيها فهو كناية عن جعل النطفة محرزة مصونة وهو وجه وجيه .