ثم قال تعالى : { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } .
تقريرا لقطع حجتهم فإنهم لما قالوا : { ربنا أخرجنا نعمل صالحا } وقال تعالى : { أولم نعمركم ما يتذكر } إشارة إلى أن التمكين والإمهال مدة يمكن فيها المعرفة قد حصل وما آمنتم وزاد عليه بقوله : { وجاءكم النذير } أي آتيناكم عقولا ، وأرسلنا إليكم من يؤيد المعقول بالدليل المنقول زاد على ذلك بقوله تعالى : { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي نبهكم بمن مضى وحال من انقضى فإنكم لو لم يحصل لكم علم بأن من كذب الرسل أهلك لكان عنادكم أخفى وفسادكم أخف ، لكن أمهلتم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلائف في الأرض ، أي خليفة بعد خليفة تعلمون حال الماضين وتصبحون بحالهم راضين { فمن كفر } بعد هذا كله { فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا } لأن الكافر السابق كان ممقوتا كالعبد الذي لا يخدم سيده واللاحق الذي أنذره الرسول ولم ينتبه أمقت كالعبد الذي ينصحه الناصح ويأمره بخدمة سيده ويعده ويوعده ولا ينفعه النصح ولا يسعده والتالي لهم الذي رأى عذاب من تقدم ولم يخش عذابه أمقت الكل .
ثم قال تعالى : { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } أي الكفر لا ينفع عند الله حيث لا يزيد إلا المقت ، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يفيدهم إلا الخسارة ، فإن العمر كالرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ، ومن اشترى به سخطه خسر .
{ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا( 39 ) قل أرأيتم شركاءكم الذي تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا فهم على بينات منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا( 40 ) إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا( 41 ) }
خلائف : جمع خليفة وهو مطرد في فعلية أي جعلكم خلفا بعد خلف وقرنا بعد قرن ترثون ما بأيديهم من مال وجاه والخلف التالي للمتقدم .
{ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا }
جعل الله الناس خلائف يخلف بعضها بعضا فأمة تقنى وأمة تقوم وجبل يفنى وجبل يأتي بعده ، وأمة تعتز وتقوى وأمة تذل وتهوى وبيد الله مقاليد السموات والأرض يغير ولا يتغير يحيي ويميت ويعز ويذل ويغني ويفقر وهو على كل شيء قدير ، ومن واجب المخلوق الفاني أن يتأمل فيمن فني قبله وفيمن سيأتي بعده ، وأن يتفكر في الأمم التي بادت كعاد وثمود وأن الله قادر على إهلاك الظالمين في كل وقت وحين وأن المسئولية فردية والتبعة فردية .
{ فمن كفر فعليه كفره . . . . } فمن جحد الخالق وأهمل العقل والتدبر والتأمل فيستحمل تبعة كفره وعقاب عمله .
{ ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا }
أي : إن عاقبة الكفر هي المقت الشديد والغضب من جبار السموات وإصرار الكافرين على الكفر لا يزيدهم إلا هلاكا وبوارا وخسارا في الآخرة بدخول النار والحرمان من الجنة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.