مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا} (3)

وقوله { وينصرك الله نصرا عزيزا } ظاهر ، لأن بالفتح ظهر النصر واشتهر الأمر ، وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية :

أما المسألة اللفظية : فهي أن الله وصف النصر بكونه عزيزا ، والعزيز من له النصر والجواب : من وجهين ( أحدهما ) ما قاله الزمخشري أنه يحتمل وجوها ثلاثة ( الأول ) معناه نصر إذ عز ، كقوله { في عيشة راضية } أي ذات رضى ( الثاني ) وصف النصر بما يوصف به المنصور إسنادا مجازيا يقال له كلام صادق ، كما يقال له متكلم صادق ( الثالث ) المراد نصرا عزيزا صاحبه ( الوجه الثاني ) من الجواب أن نقول : إنما يلزمنا ما ذكره الزمخشري من التقديرات إذا قلنا : العزة من الغلبة ، والعزيز الغالب وأما إذا قلنا : العزيز هو النفيس القليل النظير ، أو المحتاج إليه القليل الوجود ، يقال عز الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه ، فالنصر كان محتاجا إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد .

أما المسألة المعنوية : وهي أن الله تعالى لما قال : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } أبرز الفاعل وهو الله ، ثم عطف عليه بقوله { ويتم } وبقوله { ويهديك } ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام ، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول ، ولا يظهر فيما بعده تقول : جاء زيد وتكلم ، وقام وراح ، ولا تقول : جاء زيد ، وقعد زيد اختصارا للكلام بالاقتصار على الأول ، وهاهنا لم يقل وينصرك نصرا ، بل أعاد لفظ الله ، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر ، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة ، فقال تعالى : { بنصر الله ينصر } ولم يقل بالنصر ينصر ، وقال : { هو الذي أيدك بنصره } ولم يقل بالنصر ، وقال : { إذا جاء نصر الله والفتح } وقال : { نصر من الله وفتح قريب } ولم يقل نصر وفتح ، وقال : { وما النصر إلا من عند الله } وهذا أدل الآيات على مطلوبنا ، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر ، والصبر بالله ، قال تعالى : { واصبر وما صبرك إلا بالله } وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه ، وذلك بذكر الله ، كما قال تعالى : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } فلما قال هاهنا وينصرك الله ، أظهر لفظ الله ذكرا للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب ، وبه يحصل الصبر ، وبه يتحقق النصر ، وهاهنا مسألة أخرى وهو أن الله تعالى قال : { إنا فتحنا } ثم قال : { ليغفر لك الله } ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيما لأمر الفتح ، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى : { إن الله يغفر الذنوب جميعا } وقال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة ، فذلك لم يختص بنبينا ، بل غيره من الرسل كان معصوما ، وإتمام النعمة كذلك ، قال الله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } وقال : { يا بني إسراءيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } وكذلك الهداية قال الله تعالى : { يهدي من يشاء } فعمم ، وكذلك النصر قال الله تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون } وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم ، فعظمه بقوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا } وفيه التعظيم من وجهين ( أحدهما ) إنا ( وثانيهما ) لك أي لأجلك على وجه المنة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا} (3)

1

التفسير :

2 ، 3- { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا } .

كان محمد صلى الله عليه وسلم أطوع خلق الله لله ، بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، وجاهد في الله حق جهاده ، ونصر دين الله في السلم والحرب والمعاهدة ، فوعده الله بهذه المكافأة الجليلة المتمثلة فيما يأتي :

( أ ) أن يغفر الله له ذنوبه السابقة واللاحقة ، ليرفع درجته ويعلي كعبه ، ويطهر ساحته ، ويغفر له هفواته قبل النبوة وبعدها .

( ب ) إتمام النعمة بفتح الطريق أمام دين الإسلام ، وأمام أمة الإسلام ، لتأخذ طريقها إلى النصر والظفر ، واستيعاب أحكام الدين .

( ج ) هداية الرسول إلى الصراط المستقيم ، والدين القويم ، والحكمة التامة في تبليغ الدعوة ، وقيادة سفينة الإسلام بحكمة النبوة ، وهداية الله وتوفيقه .

( د ) النصر العزيز الذي يقدمه له الله : { وما النصر إلا من عند الله . . . } ( الأنفال : 10 ) .

وقد كان صلح الحديبية نصرا ، ثم تبعه فتح خيبر ، ثم تبعه فتح مكة ، وكان هناك نصر معنوي كبير في ضآلة شأن المنافقين ، وانزواء أمرهم ، وتحطيم قوة اليهود ، وتلاشي قوة قريش والكافرين ، وبحث جزيرة العرب عن الإسلام ، وتوافدها على الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة ، فكان هناك فتح في النفوس ، وهداية من الله للناس حتى دخلوا في دين الله أفواجا ، أي جماعات جماعات ، وكانوا قبل ذلك يدخلون أفرادا ، وظل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ارتفاع ، وشأن أعدائه في انحدار ، حتى عم الإسلام بلاد العرب ، ونزل قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا . . . } ( المائدة : 3 ) .

وقوله سبحانه : { إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } . ( النصر : 1-3 ) .