قوله تعالى { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى أزال الحزن عن قلب رسوله في الآية الأولى بأن بين أن تكذيبه يجري مجرى تكذيب الله تعالى ، فذكر في هذه الآية طريقا آخر في إزالة الحزن عن قلبه وذلك بأن بين أن سائر الأمم عاملوا أنبياءهم بمثل هذه المعاملة ، وأن أولئك الأنبياء صبروا على تكذيبهم وإيذائهم حتى أتاهم النصر والفتح والظفر فأنت أولى بالتزام هذه الطريقة لأنك مبعوث إلى جميع العالمين ، فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا . ثم أكد وقوى تعالى هذا الوعد بقوله ولا مبدل لكلمات الله يعني أن وعد الله إياك بالنصر حق وصدق ، ولا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه ونظيره قوله تعالى { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } وقوله { كتب الله لأغلبن أنا ورسلى } وبالجملة فالخلف في كلام الله تعالى محال وقوله { ولقد جاءك من نبإى المرسلين } أي خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ودمرنا قومهم . قال الأخفش : { من } هاهنا صلة ، كما تقول أصابنا من مطر . وقال غيره : لا يجوز ذلك لأنها لا تزاد في الواجب ، وإنما تزاد مع النفي كما تقول : ما أتاني من أحد ، وهي هاهنا للتبعيض ، فإن الواصل إلى الرسول عليه السلام قصص بعض الأنبياء لا قصص كلهم كما قال تعالى : { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } وفاعل : ( جاء ) مضمر أضمر لدلالة المذكور عليه ، وتقديره : ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولا مبدل لكلمات الله } يدل على قولنا في خلق الأفعال لأن كل ما أخبر الله عن وقوعه ، فذلك الخبر ممتنع التغير ، وإذا امتنع تطرق التغير إلى ذلك الخبر امتنع تطرق التغير إلى المخبر عنه . فإذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يموت على الكفر كان ترك الكفر منه محالا . فكان تكليفه بالإيمان تكليفا بما لا يطاق . والله أعلم .
لكلمات الله : المراد من كلمات الله ؛ وعده للمؤمنين ، ووعيده للكافرين .
نبأ : النبأ ؛ الخبر ذو الشأن العظيم .
34- ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأذوا حتى أتاهم نصرنا . . . الآية . هذه الآية من جملة التسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيان ما عاناه الرسل السابقون بالدعوة ، حتى جاءهم نصر الله .
أي فاقتد بالرسل الذين من قبلك ، ولا تحزن ، واصبر كما صبروا على ما كذبوا به وأوذوا ، حتى يأتيك نصرنا ، كما أتاهم ، وأنت منصور على المكذبين ، ظاهر عليهم ، وقد كان ذلك والحمد لله .
ولا مبدل لكلمات الله . أي لا مغير لكلمات الله وآياته التي وعد فيها عباده الصالحين بالنصر على أعدائه ، فسنة الله مستمرة وقوانينه باقية وأحكامه لا تنقض ، ووعده لا يتخلف .
بيد أن الله لا يعجل لعجلة العباد ويمهل ولا يهمل ومن قوانينه أن يبارك المجاهدين ، وأن ينصر المرسلين .
قال تعالى : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز . ( المجادلة : 21 ) .
وقال سبحانه : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم المنصرون * وإن جندنا لهم الغالبون . ( الصافات : 171 : 173 ) .
وقال تعالى : إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . ( غافر : 51 ) .
وبعض العلماء المحققين يرى أن المراد بكلمات الله شرائعه وصفاته وأحكامه وسننه في كونه ، ويدخل فيها دخولا أوليا ما وعد الله به أنبياءه وأولياءه من النصر والظفر ، وهذا الرأي أرجح من سابقه لأنه أعم وأشمل .
ولقد جاءك من نبإ المرسلين . أي ولقد قصصنا عليك من أخبار الرسل ما يثبت فؤادك ويطمئن نفسك ويبين كيفية إنجاء الله لهم ومن معهم من المؤمنين ، وكيف أهلك الله المكذبين .
قال تعالى : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك . ( هود : 120 )
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.