مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (34)

قوله تعالى { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين }

في الآية مسألتان :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى أزال الحزن عن قلب رسوله في الآية الأولى بأن بين أن تكذيبه يجري مجرى تكذيب الله تعالى ، فذكر في هذه الآية طريقا آخر في إزالة الحزن عن قلبه وذلك بأن بين أن سائر الأمم عاملوا أنبياءهم بمثل هذه المعاملة ، وأن أولئك الأنبياء صبروا على تكذيبهم وإيذائهم حتى أتاهم النصر والفتح والظفر فأنت أولى بالتزام هذه الطريقة لأنك مبعوث إلى جميع العالمين ، فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا . ثم أكد وقوى تعالى هذا الوعد بقوله ولا مبدل لكلمات الله يعني أن وعد الله إياك بالنصر حق وصدق ، ولا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه ونظيره قوله تعالى { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } وقوله { كتب الله لأغلبن أنا ورسلى } وبالجملة فالخلف في كلام الله تعالى محال وقوله { ولقد جاءك من نبإى المرسلين } أي خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ودمرنا قومهم . قال الأخفش : { من } هاهنا صلة ، كما تقول أصابنا من مطر . وقال غيره : لا يجوز ذلك لأنها لا تزاد في الواجب ، وإنما تزاد مع النفي كما تقول : ما أتاني من أحد ، وهي هاهنا للتبعيض ، فإن الواصل إلى الرسول عليه السلام قصص بعض الأنبياء لا قصص كلهم كما قال تعالى : { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } وفاعل : ( جاء ) مضمر أضمر لدلالة المذكور عليه ، وتقديره : ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين .

المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولا مبدل لكلمات الله } يدل على قولنا في خلق الأفعال لأن كل ما أخبر الله عن وقوعه ، فذلك الخبر ممتنع التغير ، وإذا امتنع تطرق التغير إلى ذلك الخبر امتنع تطرق التغير إلى المخبر عنه . فإذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يموت على الكفر كان ترك الكفر منه محالا . فكان تكليفه بالإيمان تكليفا بما لا يطاق . والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (34)

المفردات :

لكلمات الله : المراد من كلمات الله ؛ وعده للمؤمنين ، ووعيده للكافرين .

نبأ : النبأ ؛ الخبر ذو الشأن العظيم .

التفسير :

34- ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأذوا حتى أتاهم نصرنا . . . الآية . هذه الآية من جملة التسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيان ما عاناه الرسل السابقون بالدعوة ، حتى جاءهم نصر الله .

أي فاقتد بالرسل الذين من قبلك ، ولا تحزن ، واصبر كما صبروا على ما كذبوا به وأوذوا ، حتى يأتيك نصرنا ، كما أتاهم ، وأنت منصور على المكذبين ، ظاهر عليهم ، وقد كان ذلك والحمد لله .

ولا مبدل لكلمات الله . أي لا مغير لكلمات الله وآياته التي وعد فيها عباده الصالحين بالنصر على أعدائه ، فسنة الله مستمرة وقوانينه باقية وأحكامه لا تنقض ، ووعده لا يتخلف .

بيد أن الله لا يعجل لعجلة العباد ويمهل ولا يهمل ومن قوانينه أن يبارك المجاهدين ، وأن ينصر المرسلين .

قال تعالى : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز . ( المجادلة : 21 ) .

وقال سبحانه : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم المنصرون * وإن جندنا لهم الغالبون . ( الصافات : 171 : 173 ) .

وقال تعالى : إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . ( غافر : 51 ) .

وبعض العلماء المحققين يرى أن المراد بكلمات الله شرائعه وصفاته وأحكامه وسننه في كونه ، ويدخل فيها دخولا أوليا ما وعد الله به أنبياءه وأولياءه من النصر والظفر ، وهذا الرأي أرجح من سابقه لأنه أعم وأشمل .

ولقد جاءك من نبإ المرسلين . أي ولقد قصصنا عليك من أخبار الرسل ما يثبت فؤادك ويطمئن نفسك ويبين كيفية إنجاء الله لهم ومن معهم من المؤمنين ، وكيف أهلك الله المكذبين .

قال تعالى : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك . ( هود : 120 )