مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} (7)

ثم قال تعالى : { فلنقصن عليهم بعلم } والمراد أنه تعالى يكرر ويبين للقوم ما أعلنوه وأسروه من أعمالهم ، وأن يقص الوجوه التي لأجلها أقدموا على تلك الأعمال ، ثم بين تعالى أنه إنما يصح منه أن يقص تلك الأحوال عليهم لأنه ما كان غائبا عن أحوالهم بل كان عالما بها . وما خرج عن علمه شيء منها ، وذلك يدل على أن الإلهية لا تكمل إلا إذا كان الإله عالما بجميع الجزئيات ، حتى يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي ، والمحسن عن المسيء ، فظهر أن كل من أنكر كونه تعالى عالما بالجزئيات ، امتنع منه الاعتراف بكونه تعالى آمرا ناهيا مثيبا معاقبا ، ولهذا السبب فإنه تعالى أينما ذكر أحوال البعث والقيامة بين كونه عالما بجميع المعلومات .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فلنقصن عليهم بعلم } يدل على أنه تعالى عالم بالعلم ، وأن قول من يقول : إنه لا علم لله قول باطل .

فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } وبين قوله : { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } وقوله : { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } .

قلنا فيه وجوه : أحدها : أن القوم لا يسألون عن الأعمال ، لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال ، وعن الصوارف التي صرفتهم عنها . وثانيها : أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد والاستفادة ، وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة ، كقول القائل ألم أعطك وقوله تعالى : { ألم أعهد إليكم يبنى آدم } قال الشاعر :

ألستم خير من ركب المطايا *** . . .

إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لا يسأل أحدا لأجل الاستفادة والاسترشاد ، ويسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم ، ونظيره قوله تعالى : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ثم قال : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } فإن الآية الأولى تدل على أن المسألة الحاصلة بينهم إنما كانت على سبيل أن بعضهم يلوم بعضا ، والدليل عليه قول : { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } وقوله : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } معناه أنه لا يسأل بعضهم بعضا على سبيل الشفقة واللطف ، لأن النسب يوجب الميل والرحمة والإكرام .

والوجه الثالث : في الجواب : أن يوم القيامة يوم طويل ومواقفها كثيرة ، فأخبر عن بعض الأوقات بحصول السؤال ، وعن بعضها بعدم السؤال .

المسألة الرابعة : الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده ، لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رسلا أو مرسلا إليهم ، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار .

المسألة الخامسة : الآية تدل على كونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ، لأنه تعالى قال : { وما كنا غائبين } ولو كان تعالى على العرش لكان غائبا عنا .

فإن قالوا : نحمله على أنه تعالى ما كان غائبا عنهم بالعلم والإحاطة .

قلنا : هذا تأويل والأصل في الكلام حمله على الحقيقة .

فإن قالوا : فأنتم لما قلتم أنه تعالى غير مختص بشيء من الأحياز والجهات ، فقد قلتم أيضا بكونه غائبا .

قلنا : هذا باطل لأن الغائب هو الذي يعقل أن يحضر بعد غيبة ، وذلك مشروط بكونه مختصا بمكان وجهة ، فأما الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة وكان ذلك محالا في حقه ، امتنع وصفه بالغيبة والحضور ، فظهر الفرق والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} (7)

المفردات :

فلنقصن : فلنحكين : يقال : قص الخبر يقصه قصا : حكاه .

التفسير :

فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين .

أي : فلنقصن على الرسل والمرسل إليهم ، كل ما وقع منهم عن علم دقيق وإحصاء شامل ؛ لأننا لا يغيب عنا شيء من أحوالهم .

قال تعالى : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب . ( المائدة : 109 ) .

والحق سبحانه وتعالى هنا يعرض الغائب حاضرا ، ويستعرض القيامة وأهوالها وأحوالها ؛ ليضع الإنسان أمام نفسه ، تبصرة وتذكرة ، وهذه من ألوان تعريف القول في القرآن الكريم فهو حينا يعرض أخبار الأمم الماضية وأحوالها ، وهو حينا يعرض مظاهر الكون وبديع صنع الله في الخلق ، وهو حينا آخر يستعرض القيامة والبعث والحشر والسؤال والصراط والميزان ، حتى يشاهد الإنسان بعينيه في الدنيا مشاهد القيامة كأنها بين يديه ؛ ليزداد عظة وعبرة .

يقول الشيخ محمود شلتوت سيخ الجامع الأزهر في تفسير العشرة أجزاء الأولى للقرآن الكريم :

والذي يهمنا هنا أن نقرر أن هذا السؤال لم يكن سؤال استفهام ولا استخبار ، وإنما هو سؤال تبكيت وتنديد ، فليس في السائل مظنة أن يجهل ، ولا في المسئول مظنة أن ينكر : وهو تصوير لما يكون من شعور المكذبين بتكذيبهم ، وشعور المرسلين بتبليغهم ، وهو نوع من تسجيل الحجة على من أنكرها ، وأعرض عنها في الوقت الذي كان يجد به الإقبال عليها والإيمان بها ، وهو نوع من زيادة الحسرة ، وقطع الآمال في النجاة ، بوضع يد المجرم على جسم جريمته ، وهو في الوقت نفسه نوع من زيادة الأمن والطمأنينة للرسل في القيام بدعوتهم ، وتبليغهم ما أمروا بتبليغه ، ولعل كل ذلك يرشد إليه قوله تعالى : فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين .