مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

وأما قوله تعالى : { ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } .

اعلم أن هذه الآية فيها مسائل :

المسألة الأولى : أنها تدل على أن أهل القيامة فريقان منهم من يزيد حسناته على سيئاته ، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته ، فأما القسم الثالث وهو الذي تكون حسناته وسيئاته متعادلة متساوية فإنه غير موجود .

المسألة الثانية : قال أكثر المفسرين المراد من قوله : { ومن خفت موازينه } الكافر والدليل عليه القرآن والخبر والأثر . أما القرآن فقوله تعالى : { فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } ولا معنى لكون الإنسان ظالما بآيات الله إلا كونه كافرا بها منكرا لها ، فدل هذا على أن المراد من هذه الآية أهل الكفر ، وأما الخبر فما روي أنه إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجرته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت ؟ فيقول : ( أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها ) ، وهذا الخبر رواه الواحدي في «البسيط » ، وأما جمهور العلماء فرووا ههنا الخبر الذي ذكرناه من أنه تعالى يلقى في كفة الحسنات الكتاب المشتمل على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . قال القاضي : يجب أن يحمل هذا على أنه أتى بالشهادتين بحقهما من العبادات ، لأنه لو لم يعتبر ذلك لكان من أتى بالشهادتين يعلم أن المعاصي لا تضره ، وذلك إغراء بمعصية الله تعالى .

ولقائل أن يقول : العقل يدل على صحة ما دل عليه هذا الخبر ، وذلك أن العمل كلما كان أشرف وأعلى درجة ، وجب أن يكون أكثر ثوابا ، ومعلوم أن معرفة الله تعالى ومحبته أعلى شأنا ، وأعظم درجة من سائر الأعمال ، فوجب أن يكون أوفى ثوابا ، وأعلى درجة من سائر الأعمال . وأما الأثر فلأن ابن عباس وأكثر المفسرين حملوا هذه الآية على أهل الكفر .

وإذا ثبت هذا الأصل فنقول : إن المرجئة الذين يقولون : المعصية لا تضر مع الإيمان تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنه تعالى حصر أهل موقف القيامة في قسمين : أحدهما : الذين رجحت كفة حسناتهم وحكم عليهم بالفلاح . والثاني : الذين رجحت كفة سيئاتهم ، وحكم عليهم بأنهم أهل الكفر الذين كانوا يظلمون بآيات الله ، وذلك يدل على أن المؤمن لا يعاقب ألبتة . ونحن نقول في الجواب : أقصى ما في الباب أنه تعالى لم يذكر هذا القسم الثالث في هذه الآية إلا أنه تعالى ذكره في سائر الآيات فقال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } والمنطوق راجح على المفهوم ، فوجب المصير إلى إثباته ، وأيضا فقال تعالى في هذا القسم : { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } ونحن نسلم أن هذا لا يليق إلا بالكافر وأما العاصي المؤمن فإنه يعذب أياما ثم يعفى عنه ، ويتخلص إلى رحمة الله تعالى ، فهو في الحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال وانقطاع والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون .

أي : ومن خفت موازين أعماله ، أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها ، وهي أعماله السيئة .

فأولئك الذين خسروا أنفسهم ، بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء العقاب ، فلم يعاملوا آيات الله بما تستحق من تعظيم ، فكذبوا بها وظلموا الفطرة التي فطر الله الناس عليها .

وقد اختلف العلماء في كيفية الوزن :

فقال بعضهم : إن التي توزن هي صحائف الأعمال ، التي كتبت فيها الحسنات والسيئات ؛ تأكيدا للحجة ، وإظهارا للنصفة وقطعا للمعذرة .

وقيل : إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوي ، والعدل التام في تقدير ما يمكن به الجزاء من الأعمال ، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كما تقول هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه ، أي : يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن .

من كلام المفسرين :

جاء في تفسير أبي السعود ما يأتي : -

( والجمهور على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان ينظر إليه الخلائق ؛ إظهارا للمعادلة وقطعا للمعذرة ، كما يسألهم عن أعمالهم ، فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم ، ويشهد عليهم الأنبياء والملائكة والأشهاد ، وكما يثبت في صحائفهم ، فيقرءونها في موقف الحساب ، ويؤيده ما روى أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر له تسعة وتسعون سجلا مد البصر ، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة ، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة .

وقيل : يوزن الأشخاص ؛ لما روى عنه عليه الصلاة والسلام : ( إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ) ( 28 ) .

وقيل : الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل ، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك ، واختاره كثير من المتأخرين : بناء على استعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية .

وروى عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صور حسنة ، وبالأعمال السيئة على صور قبيحة .

وجاء في حاشية الجمل على الجلالين ما يأتي :

فإن قلت : أليس الله تعالى يعلم مقادير أعمال العباد فما الحكمة في وزنها ؟

قلت : فيه حكم : منها : إظهار العدل ، وأن الله تعالى لا يظلم عباده ، ومنها : امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى ، ومنها : تعريف العباد بما لهم من خير أو شر ، وحسنة أو سيئة ، ومنها : إظهار علامة السعادة والشقاوة ، ونظيره أن الله سبحانه أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ ، وفي صحائف الحفظة الموكلين ببني آدم ، من غير جواز النسيان عليه . ا ه .

والذي علينا هو الإيمان بأن في الآخرة وزنا للأعمال ، وأنه على مقدار ما يظهر يكون الجزاء ، وأنه وزن أو ميزان يليق بما يجري في ذلك اليوم ، أما كيفية هذا الوزن وهل هو وزن للأعمال ، أو للأشخاص فمرده إلى الله ، الذي يعلم النوايا ومقدار الإخلاص والتجرد وهو نعم الحسيب المكافئ القائل في كتابه :

إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما . ( النساء : 40 ) .

وهو سبحانه القائل : وكفى بالله حسيبا . ( النساء : 6 ) .