ثم إنه تعالى وصف بعد ذلك أحوال وجهه ، فقال :
{ ثم عبس وبسر } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { عبس وبسر } يدل على أنه كان عارفا في قلبه صدق محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان يكفر به عنادا ، ويدل عليه وجوه : ( الأول ) أنه بعد أن تفكر وتأمل قدر في نفسه كلاما عزم على أنه يظهره ظهرت العبوسة في وجهه ولو كان معتقدا صحة ذلك الكلام لفرح باستنباطه وإدراكه ، ولكنه لما لم يفرح به علمنا أنه كان يعلم ضعف تلك الشبهة ، إلا أنه لشدة عناده ما كان يجد شبهة أجود من تلك الشبهة ، فلهذا السبب ظهرت العبوسة في وجهه ( الثاني ) ما روي أن الوليد مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ حم السجدة فلما وصل إلى قوله : { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } أنشده الوليد بالله وبالرحم أن يسكت ، وهذا يدل على أنه كان يعلم أنه مقبول الدعاء صادق اللهجة ، ولما رجع الوليد قال لهم : والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه ليعلو وما يعلى عليه ، فقالت قريش : صبأ الوليد ولو صبأ لتصبأن قريش كلها . فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه ، ثم دخل عليه محزونا فقال مالك : يا ابن الأخ ؟ فقال : إنك قد صبوت لتصيب من طعام محمد وأصحابه وهذه قريش تجمع لك مالا ليكون ذلك عوضا مما تقدر أن تأخذ من أصحاب محمد ، فقال : والله ما يشبعون فكيف أقدر أن آخذ منهم مالا ، ولكني تفكرت في أمره كثيرا فلم أجد شيئا يليق به إلا أنه ساحر ، فأقول استعظامه للقرآن واعترافه بأنه ليس من كلام الجن والإنس يدل على أنه كان في ادعاء السحر معاندا لأن السحر يتعلق بالجن ( والثالث ) أنه كان يعلم أن أمر السحر مبني على الكفر بالله ، والأفعال المنكرة ، وكان من الظاهر أن محمدا لا يدعو إلا إلى الله ، فكيف يليق به السحر ؟ فثبت بمجموع هذه الوجوه أنه إنما عبس وبسر لأنه كان يعلم أن الذي يقوله كذب وبهتان .
المسألة الثانية : قال الليث : عبس يعبس فهو عابس إذا قطب ما بين عينيه ، فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل : كلح ، فإن اهتم لذلك وفكر فيه قيل : بسر ، فإن غضب مع ذلك قيل : بسل .
لواحة : من لوّحته الشمس ، إذا سوّدت ظاهره وأطرافه .
البشر : واحدها بشرة ، وهي ظاهر الجلد .
21 ، 22 ، 23 ، 24 ، 25- ثم نظر* ثم عبس وبسر* ثم أدبر واستكبر* فقال إن هذا إلا سحر يؤثر* إن هذا إلا قول البشر .
ثم أعاد النظر والتّروي ، والتأمّل في الطعن في القرآن ، ثم قطّب وجهه لمّا لم يجد مطعنا يطعن به القرآن ، وكلح وجهه ، وتغيّر واكفهّر ، وأظهر الكراهة ، ثم أعرض عن الإيمان ، واستكبر عن الانقياد ، والإصغاء للقرآن ، وجاء بقول يخالف ضميره فقال :
ما هذا إلا سحر ينقل ويروى ويحكى ، نقله محمد عن غيره ممن قبله ، وحكاه ورواه عنهم ، فليس بكلام الله .
اختلقه محمد من عند نفسه ، ونسبه لله زورا .
وقد رأيت أن القرآن الكريم جاء بكلمة ثم . بعد الآيات ( 19 ، 20 ، 21 ، 22 ) ليبين أنه كان يتروّى ويتأنّى بعض الوقت في تفكيره ، لكن الآية ( 25 ) جاءت بدون حرف العطف للإفادة بأنه قال : إن هذا إلا سحر يؤثر ، وأتبع بعده بدون فاصل : إن هذا إلا قول البشر .
أي : أسرع في اتهام القرآن بأنه سحر ، وبأنه قول البشر ، بدون تأنّ أو تفكير ، كما يقول الإمام الزمخشري في تفسير الكشّاف .
وبعد أن عرض القرآن تهمه الباطلة ، وتفكيره المستكبر عن الحق ، أتبع ذلك بمآله الذي ينتظره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.