قوله تعالى : { لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسير الآية وجهان ( الأول ) : أن { يتقدم } في موضع الرفع بالابتداء ولمن شاء خبر مقدم عليه كقولك : لمن توضأ أن يصلي ، ومعناه التقدم والتأخر مطلقان لمن شاءهما منكم ، والمراد بالتقدم والتأخر السبق إلى الخير والتخلف عنه ، وهو في معنى قوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ( الثاني ) لمن شاء بدل من قوله للبشر ، والتقدير : إنها نذير لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ، نظيره { ولله على الناس حج البيت من استطاع } .
المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد متمكنا من الفعل غير مجبور عليه ( وجوابه ) أن هذه الآية دلت على أن فعل العبد معلق على مشيئته ، لكن مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله تعالى لقوله : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } وحينئذ تصير هذه الآية حجة لنا عليهم ، وذكر الأصحاب عن وجه الاستدلال بهذه الآية جوابين آخرين ( الأول ) أن معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين التهديد ، كقوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ( الثاني ) أن هذه المشيئة لله تعالى على معنى لمن شاء الله منكم أن يتقدم أو يتأخر .
أن يتقدم : إلى الخير والإيمان والجنة .
يتأخر : يتخلف عن الإيمان إلى الكفر .
37- لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر .
لقد ذكرنا ما ذكرنا في هذه السورة ، أو في وصف جهنم ، تحذيرا للبشر من جهنم وأهوالها ، وهذا التحذير لمن شاء أن يتقدم نحو الإيمان والإسلام والهداية والرضوان ، أو يتأخر إلى الكفر والفسوق والعصيان ، فإنه يمهّد نفسه للنيران .
قال ابن عباس : من شاء اتبع طاعة الله ، ومن شاء تأخّر عنها بمعصيته .
وقال الحسن : هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر ، كقوله تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . . . ( الكهف : 29 ) .
الله تعالى إذا كلّف ملكا بشيء وهبه القدرة التي ينفّذ بها ما كلف به ، فانشغال الكفار بعدد الملائكة من حرّاس جهنم في غير موضعه ، لأمر الأمر متعلق بقدرة الله وإرادته ، وهو إذا أراد شيئا قال له كن فيكون ، والملائكة : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . ( التحريم : 6 ) . وإذا كانت الملائكة قد كلّفت بالقيام على سقر ، فهم مزوّدون من قبله تعالى بالقوة المطلوبة لهذه المهمة ، ولا طاقة للبشر في مغالبة قدرة الله ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ( يوسف : 21 ) .
والقسم بالقمر يلفت النظر إلى التأمل في هذا الكوكب ، وتنقّله من هلال إلى بدر ثم تناقصه ، ثم التملّي بجلاله وجماله ، كأنه يغسل النفس والقلب .
وقل أن يستيقظ قلب لمشهد الليل عند إدباره ، في تلك الهدأة التي تسبق الشروق ، وعندما يبدأ هذا الوجود كله يفتح عينيه ويفيق ، ثم لا ينطبع فيه أثر من هذا المشهد ، وتدبّ في أعماقه خطرات رفّافة شفّافة .
وقلّ أن يستيقظ قلب لمشهد الصبح عند إسفاره وظهوره ، لا تنبض فيه نابضة من إشراق وتفتح ، وانتقال شعوري من حال إلى حال ، يجعله أشد ما يكون صلاحية لاستقبال النور الذي يشرق في الضمائر ، مع النور الذي يشرق في النواظر .
ولله تعالى الذي خلق القلب البشري ، ويعلم ما ينبعث فيه ، من استقبال ما في القمر ، وما في الليل ، وما في الصبح ، من عجائب الدقة المبدعة ، والحكمة المدبّرة ، والتنسيق الإلهي لهذا الكون ، لذلك يلفت القرآن النظر إلى جمال الكون ونظامه ، بتلك الدقة البالغة التي يحيّر تصورها العقولvi .
وجاء في التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي ما يأتي :
أقسم الله تعالى بالقمر والليل والصبح تشريفا لها ، وتنبيها على ما يظهر بها وفيها من عجائب الله وقدرته ، وقوام الوجود بإيجادها ، والمقسم عليه أن سقر ( جهنم ) إحدى الدواعي ، وأنها نذير للبشر أو ذات إنذار . اه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.