أما قوله تعالى : { يومئذ تحدث أخبارها } فاعلم أن ابن مسعود قرأ : { تنبئ أخبارها } وسعيد بن جبير تنبئ ثم فيه سؤالات :
الأول : أين مفعولا { تحدث } ؟ ( الجواب ) : قد حذف أولهما والثاني أخبارها وأصله تحدث الخلق أخبارها إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيما .
السؤال الثاني : ما معنى تحديث الأرض ؟ قلنا فيه وجوه : ( أحدها ) وهو قول أبي مسلم يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله فكأنها حدثت بذلك ، كقولك الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت وأن الآخرة قد أقبلت ( والثاني ) : وهو قول الجمهور : أن الله تعالى يجعل الأرض حيوانا عاقلا ناطقا ويعرفها جميع ما عمل أهلها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصي ، قال عليه السلام : «أن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل عليها » ثم تلا هذه الآية وهذا على مذهبنا غير بعيد لأن البنية عندنا ليست شرطا لقبول الحياة ، فالأرض مع بقائها على شكلها ويبسها وقشفها يخلق الله فيها الحياة والنطق ، والمقصود كأن الأرض تشكو من العصاة وتشكر من أطاع الله ، فنقول : إن فلانا صلى وزكى وصام وحج في ، وإن فلانا كفر وزنى وسرق وجار ، حتى يود الكافر أن يساق إلى النار ، وكان علي عليه السلام : إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول : لتشهدن أني ملأتك بحق وفرغتك بحق ( والقول الثالث ) : وهو قول المعتزلة : أن الكلام يجوز خلقه في الجماد ، فلا يبعد أن يخلق الله تعالى في الأرض حال كونها جمادا أصواتا مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على هذا التقدير هو الله تعالى .
السؤال الثالث : { إذ } و{ يومئذ } ما ناصبهما ؟ ( الجواب ) : { يومئذ } بدل من إذا وناصبهما { تحدث } .
السؤال الرابع : لفظ التحديث يفيد الاستئناس وهناك لا استئناس فما وجه هذا اللفظ ( الجواب ) : أن الأرض كأنها تبث شكواها إلى أولياء الله وملائكته .
تحدث أخبارها : ما كان فيها من أعمال العباد من خير أو شر .
بأن ربك أوحى لها : تحدث بالأخبار بوحي من الله بما تقول .
4 ، 5- يومئذ تحدّث أخبارها* بأن ربك أوحى لها .
يومئذ تشهد أحوال الأرض وهيئاتها بأن الله أمرها أن تفعل ذلك ، وهو أمر تكويني .
قال تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . ( يس : 82 ) .
فالحديث الذي تحدّثه الأرض وتشهد به يتم بلسان الحال لا بلسان المقال ، كما يقول إنسان : هذه الدار تخبرني أنها قريبة العهد بسكنى أهلها فيها ، لما يشاهد من آثار ذلك .
وقيل : إن الأرض تشهد بلسان أو بكلام أو دلالة تفيد ما وقع عليها ، فتشهد الأرض على القاتل والزاني ، كما تشهد الأماكن والمساكن للعابد والمتصدّق والمعلّم ، والآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر ، أي كما تشهد الجوارح على الإنسان ، تشهد الأرض بما فعله الإنسان عليها .
أخرج الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي –واللفظ له- عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : يومئذ تحدّث أخبارها . ثم قال : ( أتدرون ما أخبارها ) ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ( فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها ، أن تقول : عمل كذا وكذا ، يوم كذا وكذا ، فهذه أخبارها )iii .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب .
وقال الطبري : إن هذا تمثيل ، والمراد أنها تنطق بلسان الحال لا بلسان المقال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.