روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ} (49)

{ تِلْكَ } إشارة إلى قصة نوح عليه السلام وهي لتقضيها في حكم البعيد ، ويحتمل أنه أشير بأداة البعد إلى بعد منزلتها ، وقيل : إن الإشارة إلى آيات القرآن وليس بذاك ؛ وهي في محل الرفع على الابتداء ، وقوله سبحانه : { مِنْ أَنبَاء الغيب } أي بعض أخباره التي لها شأن وكونها بعض ذلك باعتبار أنها على التفصيل لم تبق لطول العهد معلومة لغيره تعالى حتى إن المجوس على ما قيل : ينكرونها رأساً ، وقيل : إن كونها من الغيب لغير أهل الكتاب ، وقد ذكر غير واحد أن الغيب قسمان : ما لا يتعلق به علم مخلوق أصلاً وهو الغيب المطلق ، وما لا يتعلق به علم مخلوق معين وهو الغيب المضاف بالنسبة إلى ذلك المخلوق ، وهو مراد الفقهاء في تكفير الحاكم على الغيب ، وقوله سبحانه : { نُوحِيهَا } خبر ثان لتلك والضمير لها أي موحاة { إِلَيْكَ } أو هو الخبر ، و { مِنْ أَنْبَاء } متعلق به ، وفائدة تقديمه نفى أن يكون علم ذلك بكهانة أو تعلم من الغير ، والتعبير بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ، أو { مِنْ أَنْبَاء } هو الخبر ، وهذا في موضع الحال من { أَنْبَاء } والمقصود من ذكر كونها موحاة إلجاء قومه صلى الله عليه وسلم للتصديق بنبوته عليه الصلاة والسلام وتحذيرهم مما نزل بالمكذبين ، وقوله تعالى : { مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ } خبر آخر أي مجهولة عندك وعند قومك { مّن قَبْلِ هذا } أي الإيحاء إليك المعلوم مما مر ، وقيل : أي الوقت ، وقيل : أي العلم المكتسب بالوحي .

وفي مصحف ابن مسعود من قبل هذا القرآن ويحتمل أن يكون حالاً من الهاء في { نُوحِيهَا } أو الكاف من { إِلَيْكَ } أي غير عالم أنت ولا قومك بها ، وذكر القوم معه صلى الله عليه وسلم من باب الترقي كما تقول : هذا الأمر لا يعلمه زيد ولا أهل بلده لأنهم مع كثرتهم إذا لم يعلموا ذلك فكيف يعلمه واحد منهم ، وقد علم أنه لم يخالط غيرهم .

{ فاصبر } متفرع على الإيحاء أو على العلم المستفاد منه المدلول عليه بما تقدم { مّن قَبْلِ هذا } أي وإذ قد أوحيناها إليك أو علمتها بذلك فاصبر على مشاق تبليغ الرسالة وأذية قومك كما صبر نوح عليه السلام على ما سمعته من أنواع البلايا في هذه المدة المتطاولة ، قيل : وهذا ناظر إلى ما سبق من قوله سبحانه : { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ } [ هود : 12 ] الخ { إِنَّ العاقبة } بالظفر في الدنيا وبالفوز بالآخرة { لّلْمُتَّقِينَ } كما سمعت ذلك في نوح عليه السلام وقومه ، قيل : وهو تعليل للأمر بالصبر وتسلية له صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالتقوى الدرجة الأولى منها ، وجوز أن يراد بها الدرجة الثالثة وهي بذلك المعنى منطوية على الصبر فكأنه قيل : فاصبر فإن العاقبة للصابرين ، وقيل : الآية فذلكة لما تقدم وبيان للحكمة في إيحاء ذلك من إرشاده صلى الله عليه وسلم وتهديد قومه المكذبين له والله تعالى أعلم .

هذا ثم ذكر أنه إذا شئت التطبيق على ما في الأنفس أولت نوحاً بروحك . والفلك بكمالك العلمي والعملي الذي به نجاتك عند طوفان بحر الهيولى . والتنور بتنور البدن . وفورانه استيلاء الرطوبة الغريبة والأخلاط الفاسدة ، وما أشار إليه

{ مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين } [ هود : 40 ] بجيوش القوى الحيوانية والطبيعية وطيور القوى الروحانية ، وأولت ما جاء في القصة من البنين الثلاثة . والزوجة بحام القلب . وسام العقل النظري . ويافث العقل العملي . وزوجة النفس المطمئنة . والابن الآخر الوهم . والزوجة الأخرى الطبيعة الجسمانية التي يتولد منها الوهم . والجبل بالدماغ . واستواءها على الجودي وهبوطه بمثل نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان انتهى ، ومن نظر بعين الإنصاف لم يعول إلا على ظاهر القصة وكان له به غنى عن هذا التأويل ، واكتفى بما أشار إليه من أن النسب إذا لم يحط بالصلاح كان غريقاً في بحر العدم .

فما ينفع الأصل من هاشم *** إذا كانت النفس من باهله

ومن أنه ينبغي للإنسان التحري بالدعاء وأن لا تشغله الشفقة عن ذلك إلى غير ما ذكر ، والآية نص في كفر قوم نوح عليه السلام الذين أغرقهم الله تعالى ، وفي نصوص الحكم للشيخ الأكبر قدس سره ما هو نص في إيمانهم ونجاتهم من العذاب يوم القيامة وذلك أمر لا نفهمه من كتاب ولا سنة { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ} (49)

قوله تعالى : { تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } { تلك } في موضع رفع مبتدأ . وخبره : { من أنباء الغيب } . و { نوحيها } : خبر بعد خبر . ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال{[2105]} .

يبين الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن ما أخبره به عن قصة نوح وقومه الظالمين الجاحدين وما حاق بهم من عذاب الطوفان المغرق ، كل ذلك من أخبار الغيب التي لم يشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كان ليعلمها هو ولا غيره من الناس لولا أن الله أوحي له بخبرها فعلمها .

وذلك من جملة الأدلة البلجة على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم ؛ فهو العربي الأمي الذي ما عرف القراءة ولا الكتابة ، وما تلقى العلم عن أحد ، ولا درس التاريخ ولا غيره من العلوم . بل كان أميا ينتمي إلى أمة أمية غير قارئة ولا كاتبة . فمن أين له أن يقف على مثل هذه الأنباء القديمة لولا الوحي الذي يأتيه من السماء فيوقفه على أنباء الأولين ؟

قوله : { فاصبر إن العاقبة للمتقين } أي اصبر على أمر الله بتبليغ رسالته للناس ، واحتمل ما يصيبك من ظلم قومك وإيذائهم كما صبر نوح من قبلك ؛ إذ مكث فيهم صابرا محتملا ألف سنة إلا خمسين عاما وهم يذيقونه ألوان العذاب والتنكيل فما استيأس ولا تردد . { إن العاقبة للمتقين } لسوف تكون العاقبة الخيرة المحمودة بالظفر والغلبة وحسن الثناء للذين يتقون ربهم في هذه الدنيا ، ثم يصيرون إلى الفوز بالنعيم والنجاة من العذاب الأليم في الآخرة{[2106]} .


[2105]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 17.
[2106]:تفسير الطبري جـ 12 ص 35 وتفسير القرطبي جـ 9 ص 49 وفتح القدير جـ 2 ص 503.