روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا} (37)

{ قَالَ لَهُ صاحبه } استئناف كما سبق { وَهُوَ يحاوره } جملة حالية كالسابقة ، وفائدتها التنبيه من أول الأمر على أن ما يتلوها كلام معتنى بشأنه مسوق للمحاورة .

وقرأ أبي وحمل ذلك على التفسير { وَهُوَيحاوره أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } أي في ضمن خلق أصلك منه وهو آدم عليه السلام لما أن خلق كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه عليه السلام إذ لم تكن فطرته الشريفة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجاً منطوياً على فطرة سائر أفراد الجنس انطواءً إجمالياً مستتبعاً لجريان آثارها على الكل فإسناد الخلق من تراب إلى ذلك الكافر حقيقة باعتبار أنه مادة أصله ، وكون ذلك مبنياً على صحة قياس المساواة خيال واه ، وقيل خلقك منه لأنه أصل مادتك إذ ماء الرجل يتولد من أغذية راجعة إلى التراب فالإسناد مجاز من إسناد ما للسبب إلى المسبب فتدبر .

{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } هي مادتك القريبة فالمخلوق واحد والمبدأ متعدد ، ونقل أنه ما من نطفة قدر الله تعالى أن يخلق منها بشراً إلا وملك موكل بها يلقى فيها قليلاً من تراب ثم يخلق الله تعالى منها ما شاء من ذكر أو أنثى .

وتعقبه في «البحر » بأنه يحتاج إلى ثبوت صحته ، وأنا أقول : غالب ظني أني وقفت على تصحيحه لكن في تخريج الآية عليه كلام لا يخفي { ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } عدلك وكملك إنساناً ذكراً ؛ وأصل معنى التسوية جعل الشيء سواء أي مستوياً كما فيما { تسوى بِهِمُ الأرض } [ النساء : 42 ] ثم إنه يستعمل تارة بمعنى الخلق والإيجاد كما في قوله تعالى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } [ الشمس : 7 ] فإذا قرن بالخلق والإيجاد كما هنا فالمراد به الخلق على أتم حال وأعدله حسبما تقتضيه الحكمة بدون إفراط ولا تفريط ، ونصب { رَجُلاً } على ما قال أبو حيان على الحال وهو محوج إلى التأويل .

وقال الحوفي : نصب على أنه مفعول ثان لسوى ، والمراد ثم جعلك رجلاً ، وفيه على ما قيل تذكير بنعمة الرجولية أي جعلك ذكراً ولم يجعلك أنثى .

والظاهر أن نسبة الكفر بالله تعالى إليه لشكه في البعث وقوله : { مَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً } [ الكهف : 36 ] والشاك في البعث كما في «الكشف » كافر من أوجه الشك في قدرته تعالى وفي أخباره سبحانه الصدق وفي حكمته ألا ترى إلى قوله عز وجل { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [ المؤمنون : 115 ] وهذا هو الذي يقتضيه السياق لأن قوله : { أَكَفَرْتَ } الخ وقع رداً لقوله : { ومَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً } [ الكهف : 36 ] ولذلك رتب الإنكار بخلقه من تراب ثم من نطفة الملوح بدليل البعث وعليه أكثر المفسرين ونوقشوا فيه .

وقال بعضهم : الظاهر إنه كان مشركاً كما يدل عليه قول صاحبه تعريضاً به { وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا } [ الكهف : 38 ] وقوله : { يا ليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا } [ الكهف : 42 ] وليس في قوله : { لئن رُّدِدتُّ إلى رَبّي } [ الكهف : 36 ] ما ينافيه لأنه على زعم صاحبه كما مر مع أن الإقرار بالربوبية لا ينافي الإشراك فعبدة الأصنام مقرون بها وهم مشركون فالمراد بقوله : { أَكَفَرْتَ } أأشركت اه ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض ما يتعلق به .

وقرأ ثابت البناني وحمل ذلك على التفسير كنظائره المتقدمة ويلك أكفرت .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا} (37)

قوله تعالى : { قال له صاحبه } المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب } أي : خلق أصلك من تراب ، { ثم } خلقك { من نطفة ثم سواك رجلاً } أي : عدلك بشراً سوياً ذكراً .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا} (37)

قوله تعالى : { قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ( 37 ) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ( 38 ) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ( 39 ) فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا ( 40 ) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا ( 41 ) } المراد بصاحبه ههنا ، المؤمن غير ذي المال من بساتين وثمار وأنهار ونخل وغير ذلك ؛ فقد ردّ مقالة الأول المغرور وهو يجادله واعظا ومحتجا ( أكفرت بالذي خلقك من تراب من نطفة ثم سواك رجلا ) خطابه مستنكرا كفرانه بالله خالق كل شيء ، وخالقه هو من تراب ؛ فهو من نسل آدم أبي البشر خلقه الله من طين ( ثم من نطفة ) خلق الله الإنسان من قطرة من الماء المهين ، ثم انتقل في مراحله المتطورة المتعاقبة طورا بعد طور حتى جعله على أكمل هيئة وأحسن صورة ، وهو الإنسان السوي المتكامل . أفبعد ذلك كله مما منّ الله به عليك من تمام التكوين وجمال المنظر والمظهر تجحد فضل الله ونعمته عليك وتكذب بالساعة التي وعد بها العباد ؟ !