روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (116)

{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئاً } مؤكداً لذلك ولهذا فصل . والمراد من الموصول إما سائر الكفار فإنهم فاخروا بالأموال والأولاد حيث قالوا : { نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا وأولادا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } [ سبأ : 35 ] فرد الله تعالى عليهم بما ترى عليهم ، وإما بنو قريظة وبنو النضير حيث كانت معالجتهم بالأموال والأولاد . وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : مشركو قريش وقيل ، وقيل ولعل من ادعى العموم وهو الظاهر قال بدخول المذكورين دخولاً أولياً ، والمراد من الإغناء الدفع ، ويقال : أغنى عنه إذا دفع عنه ضرراً لولاه لنزل به أي لن تدفع عنهم يوم القيامة أموالهم التي عولوا عليها في المهمات ولا من هو أرجى من ذلك وأعظم عندهم وهم أولادهم من عذاب الله تعالى لهم شيئاً يسيراً منه ، وقال بعضهم : المراد بالاغناء الإجزاء ، ويقال : ما يغني عنك هذا ، أي ما يجزي عنك وما ينفعك ، ومن للبدل أو الابتداء ، وشيئاً مفعول مطلق أي لن يجزي عنهم ذلك من عذاب الله تعالى شيئاً من الإجزاء ، وعلى التفسير الأول للإغناء وجعل هذا معنى حقيقياً له دونه يقال بالتضمين وأمر المفعولية عليه ظاهر لتعديه حينئذ .

{ وَأُوْلئِكَ } أي الموصوفون بالكفر بسبب كفرهم { أصحاب النار } أي ملازموها وهو معنى الأصحاب عرفاً . { هُمْ فيها خالدون } تأكيد لما يراد من الجملة الأولى واختيار الجملة الاسمية للايذان بالدوام والاستمرار وتقديم الظرف محافظة على رؤوس الآي .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } واحتجبوا عن الحق برؤية الأغيار وأشركوا بالله تعالى ما لا وجود له في عير ولا نفير { لَن تُغْنِىَ } لن تدفع { عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله } أي عذابه { شَيْئاً } من الدفع لأنها من جملة أصنامهم التي عبدوها { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار } وهي الحجاب والبعد عن الحضرة { هُمْ فيها خالدون } [ آل عمران : 116 ] لاقتضاء صفة الجلال مع استعدادهم ذلك

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (116)

قوله تعالى : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } . أي : لا تدفع أموالهم بالفدية ، ولا أولادهم بالنصرة ( من الله شيئاً ) من عذاب الله ، وخصمهما بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد .

قوله تعالى : { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } . وإنما جعلهم من أصحابها لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يفارقونها ، كصاحب الرجل لا يفارقه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (116)

قوله تعالى : ( إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكناهم وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون )

بعد أن بين الله حال المؤمنين من أهل الكتاب وما أعده لهم من الخير وحسن الجزاء ، توعد الله الآخرين الفاسقين من أهل الكتاب الذين كفروا بدعوة الإسلام وبنبوة محمد صلى الله عليه و سلم توعدهم بأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم في الآخرة ولن تدفع عنهم عذاب الله في هذا اليوم العصيب .

ولئن حسب الإنسان أن بماله وولده ناج من البلايا والنوائب لما يجد في ذلك من عون له على دفع ما يصيبه من مكروه ، أو حسب وهو يحوطه المال والولد أنه يتفيأ ظلال الأمن والرخاء فلا يعتوره بعد ذلك هم ولا قلق ، لئن كان كذلك فلا ريب أنه موغل في الوهم والغفلة ، وسادر في الغي وهوان التفكير . إن ذلكم الخاسر لسوف تحيط بهم القواصم الفواقر وهو موقوف على ربه ليناقش الحساب . وإذ ذاك يغيب عنه الأعوان والأموال ويذهل عنه الصحب والخلان فلا يبرح حتى يهوي في النار مع الخالدين .

أما ما ينفقه الكافرون من أموال في وجوه الخير والإصلاح والتعمير بما ينفع الناس فلا جرم أن ذلك كله في ميزان الله باطل وحابط . ولئن كان في إنفاقهم ما يجر للناس نفعا كبناء الجسور وإصلاح الطرقات وإطعام الجياع وإغناء العالة والمحاويج فليس لذلك أيما اعتبار أو قيمة ما دام هؤلاء المنفقون سادرين في الكفر ؛ إذ لا يقبل الله من الكافرين أعمالهم ، بل إنهم في زمرة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة . وقد شبه الله إنفاقهم وأعمالهم التي أتى عليها الحبوط برزع قد عصفت به ريح شديد هو جاء فيها صرّ يصرّ صريراً أي صاح صياحا شديدا ، والصرة بالفتح تعني الصيحة{[570]} . وقيل : الصر بمعنى النار الحارقة وإنما وصف بأنها صر لتصويتها عند الالتهاب .

وتقدير الكلام أن إنفاق الكافرين والمنافقين لا وزن له ولا قيمة ، بل إن ما أنفقوه أشبه بريح باردة أو حارقة أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفران والضلال فأهلكته إهلاكا . وتلك عاقبة المجرمين الذين لم يظلمهم الله ولكنهم ظالمون لأنفسهم بإيرادها في الكفر والحبوط وضلال الأعمال ، وهذا هو مقتضى قوله تعالى : ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) .


[570]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 71