روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا} (94)

{ وَمَا مَنَعَ الناس } أي الذين حكيت أباطيلهم { أَن يُؤْمِنُواْ } مفعول منع وقوله تعالى : { إِذْ جَاءهُمُ الهدى } ظرف منع أو يؤمنوا أي ما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للايمان أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك أو ما منعهم أن يؤمنوا وقت مجيء ما ذكر { إِلاَّ أَن قَالُواْ } فاعل منع أي إلا قولهم : { أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً } ؟ منكرين أن يكون رسول الله عليه الصلاة والسلام من جنس البشر وليس المراد أن هذا القول صدر عن بعض فمنع آخرين بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل المستتبع لهذا القول منهم .

وإنما عبر عنه بالقول إيذاناً بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له مفهوم ومصداق ، وحصر المانع فيما ذكر مع أن لهم موانع شتى لما أنه معظمها أو لأنه هو المانع بحسب الحال أعني عند سماع الجواب بقوله تعالى : { هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } [ الإسراء : 93 ] إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية ، وفيه على هذا إيذان بكمال عنادهم حيث يشير إلى أن الجواب المذكور مع كونه حاسماً لمواد شبههم مقتضياً للإيمان يعكسون الأمر ويجعلونه مانعاً قاله بعض المحققين ، وظاهر ذلك أن القول لا يقولون برسالة أحد من الرسل المشهورين كإبراهيم وموسى عليهما السلام أصلاً ، وصرح بعضهم بأنهم لم ينكروا إرسال غيره صلى الله عليه وسلم منهم وبأن قولهم هذا كان تعنتاً وهذا خلاف الظاهر هنا ، ولعل القوم كانوا في ريب وتردد لا يستقيمون على حال فتدبر .

والظاهر أن الآية أخبار منه عز مجده عن الأمر المانع إياهم عن الإيمان ، ويظهر من كلام ابن عطية أن هذا الكلام منه عليه الصلاة والسلام قاله على معنى التوبيخ والتلهف وحاشا من له أدنى ذوق من أن يذهب إلى ذلك .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا} (94)

قوله عز وجل : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا } جهلاً منهم { أبعث الله بشراً رسولاً } ، أراد : أن الكفار كانوا يقولون لن نؤمن لك لأنك بشر ، وهلا بعث الله إلينا ملكاً ؟ فأجابهم الله تعالى : { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين } .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا} (94)

قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما حكى شبهة القوم فى اقتراح المعجزات الزائدة ، وأجاب عنها ، حكى عنهم شبهة أخرى ، وهى أن القوم استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق رسولاً من البشر ، بل اعتقدوا أن الله - تعالى - لو أرسل رسولاً إلى الخلق ، لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة ، فأجاب الله - تعالى - عن هذه الشبهة فقال : { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا . . . } .

والمراد بالناس هنا : المشركون منهم ، الذين استبعدوا واعتقدوا أن الرسول لا يكون من البشر ، ويدخل فيهم دخولاً أوليًا كفار مكة .

وجملة { أن يؤمنوا } فى محل نصب ، لأنها مفعول ثان لمنع .

وقوله : { إِلاَّ أَن قالوا } هو الفاعل ، و " إذ " ظرف للفعل منع ، أو لقوله : { أن يؤمنوا } .

والمعنى : وما صرف المشركين عن الإِيمان بالدين الحق وقت أن جاءتهم به الرسل ، إلا اعتقاد هؤلاء المشركين أن الله - تعالى - لا يبعث إليهم رجلاً من البشر لكى يبلغهم وحيه ، وإنما يبعث إليهم ملكًا من الملائكة لكى يبلغهم ذلك .

وعبر عن اعتقادهم الباطل هذا بالقول فقال : { إِلاَّ أَن قالوا . . } للإِشعار بأنه مجرد قول لاكته ألسنتهم ، دون أن يكون معهم أى مستند يستندون إليه لإِثبات قبوله عند العقلاء .

وجاء التعبير عن اعتقادهم الباطل هذا بصيغة الحصر ، لبيان أنه مع بطلانه - هو من أهم الموانع والصوارف ، التى منعتهم وصرفتهم عن الدخول فى الدين الحق ، الذى جاءتهم به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ، وهذا لا يمنع أن هناك صوارف أخرى حالت بينهم وبين الإِيمان كالحسد والعناد .

قال صاحب الكشاف : " والمعنى . وما منعهم من الإِيمان بالقرآن ، وبنبوة النبى صلى الله عليه وسلم إلا شبهة تلجلجت فى صدورهم ، وهى إنكارهم أن يرسل الله البشر . والهمزة فى { أبعث الله } للإِنكار ، وما أنكروه فخلافه هو المنكر عند الله - تعالى - لأن قضية حكمته ، أن لا يرسل ملك الوحى إلا إلى أمثاله ، أو إلى الأنبياء " .

والمتدبر فى القرآن الكريم ، يرى أن هذه الشبهة - وهى إنكار المشركين كون الرسول بشرًا - قد حكاها فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ . . . } وقوله - تعالى - : { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات فقالوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ واستغنى الله والله غَنِيٌّ حَمِيدٌ } ومما لا شك فيه أن هذه الشبهة تدل ، على أن هؤلاء الكافرين ، لم يدركوا قيمة بشريتهم وكرامتها عند الله - تعالى - ، وذلك بسبب انطماس بصائرهم ، وكثرة جهلهم ، وعكوفهم على موروثاتهم الفاسدة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا} (94)

قوله تعالى : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ( 94 ) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ( 95 ) قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ( 96 ) } ( أن يؤمنوا ) ، مفعول ثان للفعل ( منع ) أي : ما منعهم إيمانهم أو من إيمانهم . والفاعل ( أن قالوا ) أي قولهم . ( إذ ) ، ظرف للفعل منع . والتقدير : وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إياهم إلا قولهم : أبعث الله{[2747]} .

والمعنى : أن هؤلاء المشركين الذين ظهرت أباطيلهم والذين لجوا في العتو والاستكبار والحسد ، ما منعهم من الإيمان بدين الله وكتابه الحكيم ، وقت نزول الوحي بالمعجزة الكبرى وهي القرآن حيث الهداية والخير والنور ( إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ) وهو استفهام إنكار وجحود ؛ فقد كذبوا أن يبعث الله إليهم رسولا من جنس البشر . وهذا التصور خاطئ وضال ؛ فإن من الحق والمنطق السليم أن يبعث الله بالرسل لعباده من جنسهم ؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل . ولو بعثهم الله من غير جنس المبعوث إليهم لوقع بينهم التنافر ، لاختلاف الخلقة والطبائع . وإنما يستأنس المخلوق بنظيره من المخاليق من بني جنسه وليس من جنس مغاير مختلف ، وبذلك فإن قولهم إن الرسول ينبغي أن يكون من الملائكة ، ليس إلا محض تحكم يؤز إليه الهوى المجرد . وهذا هو مقتضى قوله : ( أبعث الله بشرا رسولا ) .


[2747]:- الدر المصون جـ7 ص 412.