{ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا } أي خلقاً باطلاً فهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق نحو كل هنيئاً أي أكلاً هنيئاً ، والباطل ما لا حكمة فيه ، وجوز كونه حالاً من فاعل { خَلَقْنَا } بتقدير مضاف أي ذوي باطل ، والباطل اللعب والعبث أي ما خلقنا ذلك مبطلين لاعبين كقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } [ الدخان : 38 ] وجوز كونه حالاً من المفعول أيضاً بنحو هذا التأويل ، وأياً ما كان فالكلام مستأنف مقرر لما قبله من أمر المعاد والحساب فإن خلق السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات مشتملاً على الحكم الباهرة والأسرار البالغة والفوائد الجمة أقوى دليل على عظم القدرة وأنه لا يتعاصاها أمر المعاد والحساب فإن خلق ذلك كذلك مؤذن بأنه عز وجل لا يترك الناس إذا ماتوا سدى بل يعيدهم ويحاسبهم ولعله الأولى .
وجوز كون الجملة في موضع الحال في فاعل { نَسُواْ } [ ص : 26 ] جيء بها لتفظيع أمر النسيان كأنه قيل : بما نسوا يوم الحساب مع وجود ما يؤذن به وهو كما ترى ، وجوز كون { باطلا } مفعولاً له ويفسر بخلاف الحق ويراد به متابعة الهوى كأنه قيل : ما خلقنا هذا العالم للباطل الذي هو متابعة الهوى بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ولا يخفى بعده ، وعليه تكون الجملة مستأنفة لتقرير أمر النهي عن اتباع الهوى ، وقيل : تكون عطفاً على ما قبلها بحسب المعنى كأنه قيل : لا تتبع الهوى لأنه يكون سبباً لضلالك ولأنه تعالى لم يخلق العالم لأجل متابعة الهوى بل خلقه للتوحيد والتمسك بالشرع فلا تغفل .
{ ذلك } إشارة إلى ما نفى من خلق ما ذكر باطلاً { ظَنُّ الذين كَفَرُواْ } أي مظنونهم ليصح الحمل أو يقدر مضاف أي ظن ذلك ظن الذين كفروا فإن إنكارهم المعاد والجزاء قول بأن خلق ما ذكر خال عن الحكمة وإنما هو عبث ولذا قال سبحانه : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [ المؤمنون : 115 ] أو فإن إنكارهم ذلك قول بنفي عظم القدرة وهو قول بنفي دليله وهو خلق ما ذكر مشتملاً على الحكم الباهرة والإسرار ، وهذا بناءً على الوجه الأول في بيان التقرير وهو كما ترى { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } مبتدأ وخبر والفاء لإفادة ترتب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل كما أن وضع الموصول موضع ضميرهم لإشعار ما في حيز الصلة بعلية كفرهم له ، ولا تنافي بينهما لأن ظنهم من باب كفرهم فيتأكد أمر التعليل ، و { مِنْ } في قوله تعالى : { مِنَ النار } ابتدائية أو بيانية أو تعليلية كما في قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } [ البقرة : 79 ] ونظائره وتفيد على هذا علية النار لثبوت الويل لهم صريحاً بعد الإشعار بعلية ما يؤدى إليها من ظنهم وكفرهم أي فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم ، قيل والكلام عليه على تقدير مضاف أي من دخول النار .
{ باطلا } : أي عبثا لغير حكمة مقصودة من ذلك الخلق .
{ ذلك ظن الذين كفروا } : أي ظنٌّ أن السموات والأرض وما بينهما خلقت عبثا لا لحكمة مقصودة منها ظن الذين كفروا .
{ فويل للذين كفروا من النار } : أي من واد في النار بعيد غوره كريه ريحه لا يطاق .
وقوله تعالى في الآية ( 27 ) { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } ينفي تعالى ما يظنه المشركون وهو أن خلق الكون لم يكن لحكمة اقتضت خلقه وإيجاده وهي أن يعبد الله تعالى بذكره وشكره المتمثل في الإِيمان والتقوى . وقوله { ذلك ظن الذين كفروا } أي ظن أن الله خلق السماء والأرض وما بينهما لا لحكمة مقصودة وهي عبادة الله تعالى بما يشرع لعباده من العبادات القلبية والقولية والفعلية ظن الذين كفروا من كفار مكة وغيرهم . ثم توعدهم تعالى على كفرهم وظنهم الخاطئ الذي نتج عنه كفرهم وعصيانهم فقال { فويل للذين كفروا من النار } أي ويل للذين كفروا من واد في جهنم بعيد الغور كريه الريح .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.