روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (14)

{ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } الخطاب على ما روي عن الضحاك للمأمورين بدعاء من استطاعوا ، وضمير الجمع الغائب عائد إلى من أي فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله تعالى إلى الإسعاد والمظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه { فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله } أي ما أنزل إلا ملتبساً بعلمه تعالى لا بعلم غيره على ما تقتضيه كلمة { إِنَّمَا } فإنها تفيد الحصر كالمكسورة على الصحيح ، قيل : وهو معنى قول من قال : أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله تعالى ولا يقدر عليه سواه .

وادعى بعضهم أن الحصر إنما أفادته الإضافة كما في قوله تعالى : { لا * يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً } [ الجن : 26 ] والمراد بما لا يعلمه غيره تعالى الكيفيات والمزايا التي بها الإعجاز والتحدي ، وذكر عدم قدرة غيره سبحانه مما يقتضيه السياق وإلا فالمذكور في النظم الكريم العلم دون القدرة ، وقيل : ذاك لأن نفي العلم بالشيء يستلزم نفي القدرة لأنه لا يقدر أحد على ما لا يعلم ، والجملة الشرطية داخلة في حيز القول وإيراد كلمة الشك مع الجزم بعدم الاستجابة من جهة من يدعونه تهكم بهم وتسجيل عليهم بكمال سخافة العقل ، وترتيب الأمر بالعلم على مجرد عدم الاستجابة من حيث أنه مسبوق بالدعاء المسبوق بتعجيزهم واضطرارهم فكأنه قيل : فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائكم إليهم بعد ما اضطررتم إلى ذلك وضاعت عليكم الحيل وعيت بكم العلل { فاعلموا } الخ أو من حيث أن من يدعونهم إلى المعارضة أقوى منهم في اعتقادهم فإذا ظهر عجزهم بعدم استجابتهم وإن كان ذلك قبل ظهور عجز أنفسكم يكون عجزهم أظهر وأوضح .

وبمجموع ما ذكرنا يظهر أن لا إشكال في الآية ، ومما يقضي منه العجب قول العز بن عبد السلام في أماليه : إن ترتيب هذا المشروط يعني العلم على ذلك الشرط يعني عدم الاستجابة مشكل ، وكذا قوله سبحانه : { أُنزِلِ بِعِلْمِ الله } مشكل أيضاً إذ لا تصلح الباء للسببية إذ ليس العلم سبباً في إنزاله ولا للمصاحبة إذ العلم لا يصحبه في إنزاله ، وأن الجواب أنه ليس المراد بالعلم إلا علمنا نحن ، وأضيف إليه عز وجل لأنه مخلوق له تعالى ، ونظير ذلك ما في قوله جل وعلا : { وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله } [ المائدة : 106 ] حيث أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه باعتبار أنه تعالى شرعها ، والقرآن قد نزل بأدلة العلم بأحكام الله تبارك اسمه ، فعبر بالمدلول عن الدليل ، والتقدير { فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ } مصحوباً بانتشار علم الأحكام ، وهي الأدلة ، ولا شك أنه يناسب إذا عجزوا عن معارضته أن يعلموا أن هذه الآيات أدلة أحكام الله تعالى انتهى ، وليت شعري كيف غفل هذا العالم الماهر عن ذلك التفسير الظاهر ، ولعله كما قيل : من شدة الظهور الخفاء { وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } أي واعلموا أيضاً أنه تعالى المختص بالألوهية وأحكامها وأن آلهتكم بمعزل عن رتبة الشركة له تعالى في ذلك { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أي داخلون في الإسلام إذ لم يبق بعد شائبة شبهة في حقيته وفي بطلانه ما أنتم فيه من الشرك ، فيدخل فيه الإذعان بكون القرآن من عند الله تعالى دخولاً أولياً ، أو منقادون للحق الذي هو كون القرآن من عند الله تعالى وتاركون ما أنتم عليه من المكابرة والعناد ، وفي هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال المانع ، ولهذا جىء بالفاء ، وفي التعبير بمسلمون دون تسلمون تأييد لما يقتضيه ترتيب ما ذكر على ما قبل بها من وجوبه بلا مهلة ، قيل : وفي ذلك أيضاً إقناط لهم من أن يجيرهم آلهتهم من بأس الله تعالى شأنه وعز سلطانه ، وجوز أن يكون الضمير في { لَكُمْ } للرسول صلى الله عليه وسلم ، ويؤيده أنه جاء في آية أخرى

{ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ } [ القصص : 50 ] ، وروي ذلك عن مجاهد ، وكان المناسب للأمر بقل الإفراد لكنه جمع للتعظيم ، وهو لا يختص بضمير المتكلم كما قاله الرضى ، ومن ذلك

: وإن شئت حرمت النساء سواكم *** والجملة غير داخلة في حيز القول بل هي من قبله تعالى للحكم بعجزهم كقوله سبحانه : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } [ البقرة : 24 ] وعبر بالاستجابة إيماءً إلى أنه صلى الله عليه وسلم على كمال الأمن من أمره كأن أمره عليه الصلاة والسلام لهم بالإتيان بمثله دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه ، ويجوز أن يكون الضمير له صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لأنهم أتباع له صلى الله عليه وسلم في الأمر بالتحدي ، وفيه تنبيه لطيف على أن حقهم أن لا ينفكوا عنه عليه الصلاة والسلام ويناصبوا معه لمعارضة المعاندين كما كانوا يفعلونه في الجهاد ؛ وإرشاد إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخ في الإيمان ، ولذلك رتب عليه ما ترتب .

والمراد بالعلم المأمور به ما هو في المرتبة العليا التي كأن ما عداها من مراتب العلم ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاط تلك المراتب بل بارتفاع هذه المرتبة ، ويعلم من ذلك سر إيراد كلمة الشك مع القطع بعدم الاستجابة ، فإن تنزيل سائر المراتب منزلة العدم مستتبع لتنزيل الجزم بعدم الاستجابة منزلة الشك ، ويجوز أن يكون المأمور به الاستمرار على ما هم عليه من العلم ومعنى { مُّسْلِمُونَ } مخلصون في الإسلام أو ثابتون عليه ، والكلام من باب التثبيت والترقية إلى معارج اليقين ، واختار تفسير الآية بذلك الجبائي . وغيره ، وذكر شيخ الإسلام أنه أنسب بما سلف من قوله تعالى :

{ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } [ هود : 12 ] ولما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه : { فَلاَ تَكُ في مِرْيَةٍ مّنْهُ } [ هود : 17 ] وأشد بما يعقبه ، وقد يؤيد أيضاً بما أشرنا إليه لكن لا يخفى أن الكلام على التفسير الأول موافق لما قبله لأن ضمير الجمع في الآية المتقدمة للكفار والضمير في هذه ضمير الجمع فليكن لهم أيضاً ، ولأن الكفار أقرب المذكورين فرجوع الضمير إليهم أولى ، ولأن في التفسير الثاني تأويلات لا يحتاج إليها في الأول .

ومن هنا استظهره أبو حيان . واستحسنه الزمخشري ، ولعل مرجحاته أقوى من مرجحات الأخير عند من تأمل فلذا قدمناه ، وإن قيل : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك ، ويكتب فالم في المصحف على ما قال الأجهوري بغير نون ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما نزل بفتح النون والزاي وتشديدها ، وفي «البحر » أن ما يحتمل أن تكون مصدرية أي أن التنزيل ، وأن تكون موصولة بمعنى الذي أي أن الذي نزله ، وحذف العائد المنصوب في مثل ما ذكر شائع ، وفاعل نزل ضميره تعالى ، وجوز بعضهم كون ما موصولة على قراءة الجمهور أيضاً ، ويبعد ذلك بحسب المعروف في مثله أنها موصولة فافهم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (14)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: فإن لم يستجب لكم من تدعون من دون الله إلى أن يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات، ولم تطيقوا أنتم وهم أن تأتوا بذلك، فاعلموا وأيقنوا أنه إنما أُنزل من السماء على محمد صلى الله عليه وسلم بعلم الله وإذنه، وأن محمدا لم يفتره، ولا يقدر أن يفتريه، "وأن لا إلهَ إلاّ هُوَ "يقول: وأيقنوا أيضا أن لا معبود يستحقّ الألوهة على الخلق إلا الله الذي له الخلق والأمر، فاخلعوا الأنداد والآلهة وأفردوا له العبادة...

وقوله: "فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ" يقول: فهل أنتم مذعنون لله بالطاعة، ومخلصون له العبادة بعد ثبوت الحجة عليكم؟...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

{وَأَن لَّا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} لفظُه استفهامٌ ومعناه أمرٌ...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

" فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ".. والاستجابةُ في الآية طلبُ الإجابةِ بالقصْد إلى فِعلها، يقال: استجابَ وأجابَ بمعنىً واحدٍ. والفرقُ بين الإجابةِ والطاعةِ أن الطاعة: موافَقةٌ للإرادة الجاذبةِ إلى الفعل برَغبةٍ أو رَهْبةٍ.

والإجابةُ: موافَقةُ الداعي إلى الفعل من أجل أنه دعا به...

وقوله "أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ "يَحتمل أمرين:

أحدهما -بعِلم الله أنه حَقٌّ مِن عنده أي عَالِمٌ به.

والآخَرُ- بعِلم اللهِ بمواقع تأليفِه في عُلُوِّ طبقتِه...

وقوله "فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" معناه هل أنتم بعد قيام الحُجّةِ عليكم بما ذَكرْناه من كلام الله وأنه أَنزله على نبيِّه تصديقاً له فيما أدّاه إليكم عن الله مسلِمون له موقِنون به؟ لأن كلَّ مَن سَلَّمَ له الأمرَ فقد استسلَم له...

.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... {فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله} أي: أنزل ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله، من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه. {و} اعلموا عند ذلك {و أَن لاَّ إله إِلاَّ} الله وحده، وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم.

{فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} مبايعون بالإسلام بعد هذه الحجة القاطعة، وهذا وجه حسن مطرد... ومعنى {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} فهل أنتم مخلصون؟

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان أدنى درجات الافتراء إتيان الإنسان بكلام غيره من غير علمه، وكان عجزهم عن المعارضة دليلاً قاطعاً على أنهم لم يصلوا إلى شيء من كلامه تعالى بغير علمه ولا وجدوا مكافئاً له يأتيهم بمثله ثبت قطعاً أن هذا القرآن غير مفترى، فقال تعالى مخاطباً للجميع بخلاف ما في القصص إشارة إلى وضوح الأمر لا سيما في الافتراء عند كل أحد وأن المشركين قد وصلوا من ذل التبكيت بالتحدي مرة بعد مرة وزورهم لأنفسهم في ذلك المضمار كرة في أثر كرة إلى حد من العجز لا يقدرون معه على النطق في ذلك ببنت شفة} فإن لم يستجيبوا لكم {أي يطلبوا إجابتكم ويوجدوها {فاعلموا} أيها الناس كافة {أنما أنزل} أي ما وقع إنزال هذا القرآن خاصة إلا ملتبساً {بعلم الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً بمقتضى أن محمداً واحد منهم تمنع العادة أن يعثر دون جميع أهل الأرض على ما لم يأذن فيه ربه من كلامه فضلاً عن أن يكون مخترعاً له، ويجوز أن يكون ضمير {يستجيبوا} ل "من "في {من استطعتم} و {لكم} للمشركين، وكذا في قوله: فاعلموا و {أنتم} {وأن} أي واعلموا أن {لا إله إلا هو} فإنه لو كان معه إله آخر لكافأه في الإتيان بمثل كلامه وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم.

ولما كان هذا دليلاً قطعياً على ثبوت القرآن، سبب عنه قوله مرغباً مرهباً: {فهل أنتم مسلمون} أي منقادون أتم انقياد.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا} في هذا الخطاب وجهان صحيحان: أحدهما: أنه تتمة لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحدى به المشركين فهو يقول لهم: فإن لم يستجب لكم من تدعونهم من دون الله ليظاهروكم على الإتيان بالعشر السور المماثلة لسور القرآن، من آلهتكم الذي تدعون وتعبدون، وهواجسكم الذين يلقنونكم العشر كما تزعمون، وقرنائكم من فحول الشعراء ومصاقع الخطباء، ومن علماء أهل الكتاب العارفين بأخبار الأنبياء، لعجز الجميع عن ذلك.

{فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} أي فاعلموا أنما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمقتضى علم الله ملابسا له مبينا لما أراد أن يبلغه لعباده من دينه على ألسنة رسله، لا يعلم محمد ولا غيره ممن تدعون زورا أنهم أعانوه عليه، لأنه في جملته من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا من أعلمه الله تعالى به، كما قال: {فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} [الأعراف:7] وكما تراه في آخر قصة نوح من هذه السورة [الآية: 49] ومثلها في آخر سورة يوسف [102] ومثلهما في سورة القصص [44-46] وقال في آية أخرى بعد ذلك {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ويشهدون وكفى بالله شهيدا} [النساء: 166] وقال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 26، 27] الخ وما فيها من العلم الكسبي لم يكسب منه محمد صلى الله عليه وسلم شيئا.

الاستجابة للداعي إلى الشيء كإجابته إليه، وعدم الاستجابة لهم داحضة لدعواهم مثبتة لكون هذه العلوم التي فيه من علم الله لا من علم البشر، وهو صريح في أن المراد إنما هو التحدي في هذه السور من العلم لأنه هو الذي دحض دعواهم أن محمدا افتراها "وأنما "المفتوحة الهمزة تدل على الحصر كالمكسورة على التحقيق.

{وأن لا إله إلا هو} أي واعلموا أنه لا إله يعبد بالحق إلا هو، لأن من خصائص الإله أن يعلم ما لا يعلمه غيره، وأن يعجز كل من عداه عن مثل ما يقدر هو عليه، كما ظهر بهذا التحدي عجزكم وعجز آلهتكم وغيرهم عن الإتيان بعشر سور مثل سور كتابه بالتفصيل وعن سورة واحدة بالإجمال.

{فهل أنتم مسلمون} أي فهل أنتم بعد قيام هذه الحجة عليكم داخلون في الإسلام الذي أدعوكم إليه بهذا القرآن، مؤمنون بعقائده وحقيقة أخباره ووعده ووعيده، مذعنون لأحكامه؟ أي لم يبق لكم محيص من الإسلام والانقياد، وقد دحضت شبهتكم، وانقطعت معاذيركم، إلا جحود العناد وإعراض الاستكبار، فهذا الاستفهام يتضمن طلب الإسلام والإذعان بأبلغ عبارة فهو كقوله بعد وصف الخمر والميسر والأنصاب والأزلام بأنها رجس من عمل الشيطان لا يريد إلا إيقاع الشقاق والبغضاء بين الناس في الخمر والميسر وصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة وبعد هذا كله قال: {فهل أنتم منتهون} أي عنهما بعد علمكم بهذا الرجس والمخازي التي فيهما أم لا؟ وأي إنسان يملك مسكة من عقل وشرف لا يقول عند نزول هذه الآية في سورة هود: أسلمنا أسلمنا، كما قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [رضي الله عنه] عند نزول تلك الآية: انتهينا انتهينا؟

الوجه الثاني في الآية: إن الخطاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم وجمع الضمير في "لكم" للتعظيم بناء على أنه غير خاص بضمير المتكلم، أو له ولمن معه من المؤمنين إذ كانوا كلهم دعاة إلى الإسلام معه صلى الله عليه وسلم وقيل إنه لهم وحدهم، وهذا مروي عن مجاهد. والمعنى فإن لم يجبكم هؤلاء المشركون إلى ما تحديتموهم به من الإتيان بعشر سور مثله ولو مفتريات لا يتقيدون بكون أخبارها حقا كأخبار القرآن – وما هم بمستجيبين لكم لعجزهم وعجز من عسى أن يدعوهم لمظاهرتهم عليه- فاثبتوا على علمكم أنه إنما أنزل بعلم الله، وازدادوا به إيمانا ويقينا بهذه الحجة، وأنه لا إله إلا هو ولا يستحق العبادة سواه، فهل أنتم ثابتون على إسلامكم والإخلاص فيه؟ أي اثبتوا عليه، والوجه الأول أظهر وأقوى وعليه الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري وأشار إلى ضعف الثاني، ولكن رجحه كثيرون، والحق أنه صحيح ولكنه خلاف الظاهر المتبادر.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وفي هذه الآيات إرشاد إلى أنه لا ينبغي للداعي إلى الله أن يصده اعتراض المعترضين، ولا قدح القادحين. خصوصا إذا كان القدح لا مستند له، ولا يقدح فيما دعا إليه، وأنه لا يضيق صدره، بل يطمئن بذلك، ماضيا على أمره، مقبلا على شأنه، وأنه لا يجب إجابة اقتراحات المقترحين للأدلة التي يختارونها. بل يكفي إقامة الدليل السالم عن المعارض، على جميع المسائل والمطالب...

وفيها: أن مما يطلب فيه العلم، ولا يكفي غلبة الظن، علم القرآن، وعلم التوحيد، لقوله تعالى: {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والاستجابة: الإجابة، والسين والتاء فيه للتأكيد. وهي مستعملة ٌفي المعاوَنة والمظاهَرة على الأمر المستعان فيه، وهي مجازٌ مرسَلٌ لأنّ المعاونة تنشأ عن النّداء إلى الإعانة غالباً فإذا انتُدب المستعانُ به إلى الإعانة أجاب النداءَ بحضوره فسُمّيت استجابةً...

والعلم: الاعتقاد اليقين، أي فأيقِنوا أن القرآن ما أُنزل إلاّ بعِلم الله...

. أي لأثر العِلم، وهو جعْله بهذا النَّظْم للبشر لأن ذلك الجعلَ أثرٌ لقدرة الله الجاريةِ على وَفْقِ عِلمِه. وقد أفادت (أنما) الحصر، أي حَصْرَ أحوالِ القرآنِ في حالة إنزاله من عند الله...

والفاء في {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} للتفريع على {فَاعْلَمُوا}. والاستفهام مستعمَلٌ في الحَثِّ على الفعل وعدمِ تأخيرِه... وجِيء بالجملة الاسمية الدالّةِ على دوام الفعل وثباتِه. ولم يَقل فهل تُسْلِمون لأنّ حالة عدم الاستجابة تُكْسِبُ اليقينَ بصحة الإسلام فتقتضي تمكُّنَه من النفوس وذلك التمكُّنُ تَدلّ عليه الجملةُ الاسميّةُ...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... إِنّ الآيات المذكورة توكّد إِعجاز القرآن مرّة أُخرى وتقول: ليس هذا

كلاماً عادياً يترشح من الفكر البشري، بل هو وحي السماء الذي ينزل بعلم الله اللامحدود وقدرته الواسعة، وعلى هذا فإِنّه يتحدّى جميع البشر أن يواجهوه بمثله ـ مع ملاحظة أنّ المخالفين من معاصري النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعدهم إلى يومنا هذا عجزوا عن ذلك، وفضلوا مواجهة الكثير من المشاكل على معارضة القرآن، وهكذا يتّضح أن مثل هذا العمل لم يكن من صنع البشر ولا يكون، فهل المعجزة شيء غير هذا؟!

هذا نداء القرآن ما زال في أسماعنا، وهذه المعجزة الخالدة تدعو العالمين إليها وتتحدى جميع المحافل البشرية، لا من حيث الفصاحة والبلاغة وجمال العبارات وجاذبيتها ووضوح المفاهيم فحسب. بل من حيث المحتوى والعلوم التي فيه والتي لم تكن موجودة في ذلك الزمان، والقوانين التي تتكفل بسعادة البشرية ونجاتها، والبيان الخالي من التناقض، والقصص التاريخية الخالية من الخرافات، وأمثالها.