روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (16)

{ أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار استمرارهم على إرادة الحياة الدنيا ، أو باعتبار توفيتهم أجورهم فيها من غير نجس ، أو باعتبارهما معاً ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في سوء الحال { الذين لَيْسَ لَهُمْ في الآخرة إِلاَّ النار } لأن هممهم كانت مصروفة إلى اقتناص الدنيا وأعمالهم كانت ممدودة ومقصورة على تحصيلها ؛ وقد ظفروا بما يترتب على ذلك ولم يريدوا به شيئاً آخر فلا جرم لم يكن لهم في الآخرة إلا النار وعذابها المخلد .

{ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } أي في الآخرة كما هو الظاهر ، فالجار متعلق بحبط و { مَا } تحتمل المصدرية والموصولية أي ظهر في الآخرة حبوط صنعهم ، أو الذي صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدي إلى الثواب الأخروي لو كانت معمولة للآخرة ، ويجوز أن يعود الضمير إلى الدنيا فيكون الجار متعلقاً بصنعوا و { مَا } على حالها ، والمراد بحبوط الأعمال عدم مجازاتهم عليها لفقد الاعتداد بها لعدم الإخلاص الذي هو شرط ذلك ، وقيل : لجزائهم عليها في الدنيا { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قال أبو حيان : هو تأكيد لقوله سبحانه : { حَبِطَ } الخ ، والظاهر أنه حمل { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } على معنى { مَا صَنَعُواْ } والبطلان على عدم النفع وهو راجع إلى معنى الحبوط .

ولما رأى بعضهم أن التأسيس أولى من التأكيد أبقى ما { يَعْمَلُونَ } على ذلك المعنى ، وحمل بطلان ذلك على فساده في نفسه لعدم شرط الصحة ، وقال : كأن كلاً من الجملتين علة لما قبلها على معنى ليس لهم في الآخرة إلا النار لحبوط أعمالهم وعدم ترتب الثواب عليها لبطلانها وكونها ليست على ما ينبغي ، والأولى ما صنعه المولى أبو السعود عليه الرحمة حيث حمل البطلان على الفساد في نفسه ، و { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } على أعمالهم في أثناء تحصيل المطالب الدنيوية ، ثم قال : ولأجل أن الأول من شأنه استتباع الثواب والأجر وأن عدمه لعدم مقارنته للإيمان والنية الصحيحة ، وأن الثاني ليس له جهة صالحة قط علق بالأول الحبوط المؤذن بسقوط أجره بصيغة الفعل المنبىء عن الحدوث ، وبالثاني البطلان المفصح عن كونه بحيث لا طائل تحته أصلاً بالاسمية الدالة على كون ذلك وصفاً لازماً له ثابتاً فيه ، وفي زيادة كان في الثاني دون الأول إيماءً إلى أن صدور أعمال البر منهم وإن كان لغرض فاسد ليس في الاستمرار والدوام كصدور الأعمال التي هي مقدمات مطالبهم الدنيئة انتهى .

ويحتمل عندي على بعد أن يراد بما كانوا يعملون هو ما استمروا عليه من إرادة الحياة الدنيا وهو غير ما صنعوه من الأعمال التي نسب إليها الحبوط وإطلاق مثل ذلك على الإرادة مما لا بأس به لأنها من أعمال القلب ، ووجه الإتيان بكان فيه موافقته لما أشار هو إليه ، وفي الجملة تصريح باستمرار بطلان تلك الإرادة وشرح حالها بعد شرح حال المريد وشرح أعماله أراد بها الحياة الدنيا وزينتها ، وأياً مّا كان فالظاهر أن { وباطل } خبر مقدم و { مَا كَانُواْ } هو المبتدأ ، وجوز في «البحر » كون { وباطل } خبراً بعد خبر ، و { مَا } مرتفعة به على الفاعلية ، وقرىء وبطل بصيغة الفعل أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أن ذاك وما يستتبعه من الحظوظ الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره الدنيوي فبطل مطلقاً ، وقرأ أبي .

وابن مسعود وباطلاً بالنصب ونسب ذلك إلى عاصم وخرجه صاحب اللوامح على أن { مَا } سيف خطيب وباطل مفعول ليعلمون وفيه تقديم معمول { كَانَ } وفيه كتقديم الخبر خلاف ، والأصح الجواز لظاهر قوله تعالى : { أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [ سبأ : 40 ] ومن منع تأول ، وجوز أن يكون منصوباً بيعملون و { مَا } إبهامية صفة له أي باطلاً أي باطل ، ونظير ذلك حديث ما على قصره ولأمر ما جدع قصير أنفه ، وأن يكون مصدراً بوزن فاعل ، وهو منصوب بفعل مقدر ، و { مَا } اسم موصول فاعله أي بطل بطلاناً الذي كانوا يعملونه ، ونظيره خارجاً في قول الفرزدق :

ألم ترني عاهدت ربي وأنني *** لبين رتاج قائماً ومقام

عليّ حلفة لا أشتم الدهر مسلما *** ولا ( خارجاً ) من في زور كلام

فإنه أراد ولا يخرج من في زور كلام خروجاً ، وفي ذلك على ما في «البحر » إعمال المصدر الذي هو بدل من الفعل في غير الاستفهام والأمر هذا ، والظاهر أن الآية في مطلق الكفرة الذين يعملون البر لا على الوجه الذي ينبغي ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم . وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه أنها نزلت في اليهود والنصارى ، ولعل المراد كما قال ابن عطية أنهم سبب النزول فيدخلون فيها لا أنها خاصة بهم ولا يدخل فيها غيرهم ، وقال الجبائي : هي في الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله تعالى حظهم من ذلك سهمهم في الغنائم ، وفيه أن ذلك إنما كان بعد الهجرة والآية مكية ، وقيل : في أهل الرياء يقال لقارىء القرآن منهم : أردت أن يقال : فلان قارىء ، فقد قيل : اذهب فليس لك عندنا شيء ، وهكذا لغيره من المتصدق . والمقتول في الجهاد . وغيرهما ممن عمل من أعمال البر لا لوجه الله تعالى ، وربما يؤيد ذلك ما روي عن معاوية حين حدثه أبو هريرة بما تضمن ذلك فبكى ، وقال : صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } إلى قوله سبحانه :

{ وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ هود : 61 ] وعليه فلا بد من تقييد قوله عز وجل : { لَيْسَ لَهُمْ في الآخرة إِلاَّ النار } بأن ليس لهم بسبب أعمالهم الريائية إلا ذلك وهو خلاف الظاهر ، والسياق يقتضي أنها في الكفرة مطلقاً وبرهم كما قلنا ، ومن هنا اشتهر أن الكافر يعجل له ثواب أعماله في الدنيا بتوسعة الرزق وصحة البدن وكثرة الولد ونحو ذلك وليس لهم في الآخرة من نصيب لكن ذهب جماعة إلى أنه يخفف بها عنه عذاب الآخرة ، ويشهد له قصة أبي طالب ، وذهب آخرون إلى أن ما يتوقف على النية من الأعمال لا ينتفع الكافر به في الآخرة أصلاً لفقدان شرطه إذ لم يكن من أهل النية لكفره ، وما لا ينتفع به ويخفف به عذابه ، وبذلك يجمع بين الظواهر المقتضى بعضها للانتفاع في الجملة وبعضها لعدمه أصلاً فتدبر .

ووجه ارتباط هذه الآية بما قبلها على ما في «مجمع البيان » أنه سبحانه لما قال : { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } ؟ فكأن قائلاً قال : إن أظهرنا الإسلام لسلامة النفس والمال يكون ماذا ؟ فقيل : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا } [ هود : 15 ] الخ ، أو يقال : إن فيما قبل ما يتضمن إقناط الكفرة من أن يجيرهم آلهتهم من بأس الله عز سلطانه كما تقدم ، وذكره بعض المحققين فلا يبعد أن يكون سماعهم ذلك سبباً لعزمهم على إظهار الإسلام ، أو فعل بعض الأعمال الصالحة ظناً منهم أن ذلك مما يجيرهم وينفعهم فشرح لهم حكم مثل ذلك بقوله سبحانه : { مَن كَانَ يُرِيدُ } [ هود : 15 ] الخ لكن أنت تعلم أن هذا يحتاج إلى ادعاء أن ذلك العزم من باب الاحتياط ، وفي «البحر » في بيان المناسبة أنه سبحانه لما ذكر شيئاً من أحوال الكفار في القرآن ذكر شيئاً من أحوالهم الدنيوية وما يؤولون إليه في الآخرة ، وأبو السعود بين ذلك على وجه يقوي به ما ادعاه من أنسبية كون الخطاب فيما سلف له عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ، فقال : والذي يقتضيه جزالة النظم الكريم أن المراد مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في القرآن العظيم اندراجاً أولياً فإنه عز وجل لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآن منزل بعلم الله سبحانه وبأن لا قدرة لغيره سبحانه على شيء أصلاً وهيجهم على الثبات على الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من دون الله تعالى عن المعارضة وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلاً اقتضى الحال أن يتعرض لبعض شؤونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم الحظوظ العاجلة واستوائهم على المطالب الدنيوية ، وبيان أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه ، ولقد بين ذلك أي بيان انتهى ، ولا يخفى أنه يمكن أن يقرر هذا على وجه لا يحتاج فيه إلى توسط حديث جعل الخطاب السابق له صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فليفهم ، واستدل في الأحكام بالآية على أن ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن الأجرة من حظوظ الدنيا فمن أخذ عليه الأجرة خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب والسنة ، وادعى الكيا أنها مثل قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات " وتدل على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان ، وعلى أن من توضأ للتبرد أو التنظف لا يصح وضوؤه ، وفي ذلك خلاف مبسوط بما له وعليه في محله .

( ومن باب الإشارة ) : { أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ في الآخرة إِلاَّ النار } لتعذب قلوبهم بالحجب الدنيوية { وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } [ هود : 16 ] من أعمال البر فلم ينتفعوا بها ، وجاء «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى » الحديث

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (16)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم أَخبَر بمَنزِلتهم في الآخِرة، فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} يقول: بَطَلَ في الآخِرة ما عمِلوا في الدنيا،

{وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فلم يَقْبَلْ منهم أعمالَهم؛ لأنهم عمِلوها للدنيا، فلم تَنفعْهم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين ذكرت أنا نوفيهم أجور أعمالهم في الدنيا "لَيْسَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ إلاّ النارُ "يصلونها، "وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها" يقول: وذهب ما عملوا في الدنيا، "وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ" لأنهم كانوا يعملون لغير الله، فأبطله الله وأحبط عامله أجره.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

...قوله "أولئك "كناية عن الذين ذكرهم في الآية الأولى، وهم الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها، دون ثواب الآخرة. فأخبر الله أنه ليس لهم في الآخرة مستقر إلا النار، وأن أعمالهم كلها محبطة لا يستحقون عليها ثوابا، لأنهم أوقعوها على غير الوجه المأمور به، وعلى حد لا تكون طاعة، وأن جميع ما فعلوه في الدنيا باطل لا ثواب عليه.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لَمّا بيَّن حالَهم في الدنيا، بيَّن حالَهم في الأخرى مشيراً بأداة البُعْدِ إلى أنهم أهلُ البُعْد واللّعنةِ والطَّردِ في قوله نتيجةً لِما قبلَه: {أُولَئِكَ} أي البُعَداءُ البُغَضاءُ {الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ} أيُّ شيءٍ من الأشياء {فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ}.. {وَحَبِطَ}... {ما صَنَعُوا فِيهَا} أي مَصْنوعُهم أو صُنْعُهم أي لبنائه على غير أساسٍ؛ ولَمّا كان تقييدُ الحُبوطِ بالآخِرة ربّما أَوْهَمَ أنه شيءٌ في نفسه قال: {وَبَاطِلٌ} أي ثابتُ البُطْلانِ في كلٍّ من الدارَيْن {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي مَعمولُهم أو عمَلُهم وإنْ دَأبوا فيه دَأْبَ من هو مطبوعٌ عليه لأنه صورةٌ لا معنى لها لبنائه على غير أساسٍ...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{أُولَئِكَ} فإنه إشارةٌ إلى المذكورِين باعتبار إرادتِهم الحياةَ الدنيا أو باعتبار توْفيتِهم أجورَهم من غير بخسٍ أو باعتبارهما معاً. وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان ببُعْد منزلتِهم في سوء الحالِ... {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا}... {وَبَاطِلٌ}... {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}... ولأجْل أن الأولَ من شأنه استتباعُ الثوابِ والأجرِ وأنّ عدمَه لعدم مقارَنتِه للإيمان والنيةِ الصحيحةِ وأن الثانيَ ليس له جهةٌ صالحةٌ قطُّ عُلِّق بالأول الحُبوطُ المؤْذِنُ بسقوط أجرِه بصيغة الفِعل المُنْبئ عن الحدوث وبالثاني البُطلانُ المُفصِحُ عن كونه بحيث لا طائلَ تحته أصلاً بالاِسميّة الدالّةِ على كون ذلك وصفاً لازماً له ثابتاً فيه، وفي زيادة كان في الثاني دونَ الأولِ إيماءٌ إلى أن صدورَ البِرِّ منهم وإنْ كان لغرضٍ فاسدٍ ليس في الاستمرار والدوامِ كصدور الأعمالِ التي هي من مقدِّمات مطالبِهم الدَّنِيَّةِ... {لَيْسَ لَهُمْ إِلاَّ النَّارُ}... والذي تقتضيه جزالةُ النَّظْمِ الكريمِ أن المرادَ به مطلقُ الكفَرةِ بحيث يندرِجُ فيهم القادحون في القرآن العظيمِ اندراجاً أوَّليّاً فإنه عزَّ وعلَا لَمّا أمَر نبيَّه عليه الصلاةُ والسلامُ والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأنّ القرآنَ مُنْزَلٌ بِعِلم الله وبأنْ لا قُدرةَ لغيره على شيءٍ أصلاً وهيَّجهم على الثبات على الإسلام والرسوخِ فيه عند ظهورِ عجزِ الكفَرةِ وما يَدْعون من دون الله عن المعارَضة وتبيَّن أنهم ليسوا على شيءٍ أصلاً اقتضى الحالُ أن يتعرّض لبعض شؤونِهم المُوهِمةِ لكونهم على شيءٍ في الجملة من نيلهم الحظوظَ العاجلةَ واستيلائهم على المطالب الدنيويةِ وبيانِ أن ذلك بمَعْزِلٍ عن الدلالة عليه، ولقد بُيِّن ذلك أيَّ بيانٍ ثم أعيدَ الترغيبُ فيما ذُكر من الإيمان بالقرآن والتوحيدِ والإسلامِ...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} أي أولئك الموصوفون بما ذكر ليس لهم في الآخرة إلى دار العذاب المسماة بالنار، لأن الجزاء فيها كالجزاء في الدنيا على الأعمال، وهم لم يعملوا لنعيم الآخرة شيئا، فإن العمل لها إنما هو تزكية النفس بالإيمان والتقوى التي هي اجتناب المعاصي والرذائل، وأعمال البر والفضائل، {وحبط ما صنعوا فيها} وفسد ما صنعوا مما ظاهره البر والإحسان كالصدقة وصلة الرحم فلم يكن له تأثير في تزكية أنفسهم والقربة عند ربهم، لأنه إنما كان لأغراض نفسية من شهوات الدنيا كالرياء والسمعة والاعتزاز بأولي القربى على الأعداء ولو بالباطل، فهو كالحبط وهو بالتحريك أن تكثر الأنعام من بعض المراعي التي تستطيبها حتى تنتفخ وتفسد أحشاؤها، فظاهر كثرة الأنعام من بعض المراعي التي تستطيبها حتى تنتفخ وتفسد أحشاؤها، فظاهر كثرة الأكل أنه سبب للقوة فكان في هذه الحالة سببا للضعف، كذلك ما ظاهره البر والإحسان من أعمال الناس إذا كان الباعث عليه سوء النية مما ذكرنا {وباطل ما كانوا يعملون} أي وباطل في نفسه ما كانوا يعملونه في الدنيا، لأن لا ثمرة له ولا أجر في الآخرة، وإنما الأعمال بمقاصدها، والنتائج تابعة لمقدماتها، فإن كان في عملهم خير ونية حسنة يجازون عليه في الدنيا.

قال تعالى في تفصيل هذا الإجمال {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك. وما كان عطاء ربك محظورا {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} [الإسراء: 21] وقال معلم الخير الأعظم صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه). رواه البخاري في سبعة مواضع من صحيحه مختلفة الألفاظ ومسلم وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

الدين يبيح الطيبات من المآكل والمشارب غير الضارة ويبيح الزينة في غير إسراف ولا خيلاء، وإنما يذم من يحتقر المواهب الإنسانية من عقلية وروحانية فيجعل كل همه وحظه من وجوده في الشهوات الحيوانية التي تفضله بها الأنعام والحشرات فيفضله الثور في كثرة الأكل، والبعير في كثرة الشرب، والعصفور في كثرة السفاد، والطاووس في زينة الألوان ولمعان اللباس، ومن اختبر أهل أمصارنا في هذا العصر علم من إسرافهم في هذه الشهوات والزينة ما هو مفسد لصحتهم وأخلاقهم وبيوتهم حتى نسائهم وأطفالهم، وما حق لثروتهم، ومضعف لأمتهم ودولتهم، وما بعد ذلك إلا إضاعة آخرتهم، وترى مع هذا أن حكومتهم ومدارسهم لا تقيم للتربية الدينية وزنا وتجعل الصلاة التي هي عماد الدين اختيارية لا يلزمها أحد من معلميها ولا من تلاميذها.

ومن العجيب أن تختلف الروايات في الآيتين هل نزلتا في المشركين أم في كفار أهل الكتاب أم في المنافقين، وما نزلتا منفردتين في طائفة خاصة، بل في ضمن سورة مكية حيث لا منافقون ولا أهل كتاب، وموضوعهما عام فيمن لا يؤمن بالآخرة ولا يعملون لأجلها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن العمل للحياة الأخرى لا يقف في سبيل العمل للحياة الدنيا. بل إنه هو هو مع الاتجاه إلى الله فيه. ومراقبة الله في العمل لا تقلل من مقداره ولا تنقص من آثاره؛ بل تزيد وتبارك الجهد والثمر، وتجعل الكسب طيبا والمتاع به طيبا، ثم تضيف إلى متاع الدنيا متاع الآخرة. إلا أن يكون الغرض من متاع الدنيا هو الشهوات الحرام. وهذه مردية لا في الأخرى فحسب، بل كذلك في الدنيا ولو بعد حين. وهي ظاهرة في حياة الأمم وفي حياة الأفراد. وعبر التاريخ شاهدة على مصير كل أمة اتبعت الشهوات على مدار القرون...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا}... والحَبَطُ أن يكون فسادُ العملِ أو الشيءِ من ذاته وليس من أمرٍ خارجٍ منه...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ}... فقد تركوا الدنيا كلَّها وجميعَ ما فيها من لذائذَ وشهَواتٍ، وخَلّفوها وراء ظهورِهم ولم يَبْقَ لهم منها شيءٌ يستفيدون منه في دارهم الجديدة، وهذا معنى الإحباط في عُمقه الروحيِّ، {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، لأنه لا يمثِّل إلا الشيءَ الفاقدَ لمعناه، الذي لا يتضمن إلا مَلْءَ الفراغِ الوقتيِّ، من دون نتائجَ تتجاوز اللحظاتِ الزمنيّةَ التي يَمرُّ بها، فإذا ذهبتِ اللحظةُ ذهبَ العملُ، وهذا ما ينبغي للإنسان أن يفكّر فيه عند الإقدام على أي عملٍ، وهو ما يَستقبِله من نتائجَ إيجابيّةٍ تَجعلُ له امتداداً في حِسابات المستقبلِ...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ذِكرُ كلمةِ «الباطل» بعد كلمة «الحبط» يمكن أن تكون إِشارةً إلى أن أعمالهم لها ظاهرٌ بدون محتوىً، ولذلك تَذهب نتيجتُها أدراجَ الرياحِ...

ثمّ يضيف أن أعمالهم أساسا باطلةٌ من البداية ولا خاصيةَ لها، غايةُ ما في الأمر إنّ كثيراً من حقائق الأُمور لَمّا كانت في الدنيا غيرَ معروفةٍ فإِنّها تنكشف في الدار الآخِرة التي هي مَحَلُّ كشفِ الأسرارِ، فيتّضح أنّ هذه الأعمالَ لم يكن لها قيمةٌ منذ البداية!...