اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (14)

والمرادُ بقوله : { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } أي : الكفار ، يحتمل أنَّ من يدعونه من دون الله لمْ يَسْتَجِيبُوا .

قوله : { فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلِ } " ما " يجوز أن تكون كافة مهيئة ، وفي " أنزِلَ " ضميرٌ يعودُ على { مَا يوحى إِلَيْكَ } [ هود : 12 ] ، و " بعلْم " حال أي : ملتبساً بعلمه ، ويجوز أن تكون موصولة اسمية أو حرفية اسماً ل " أنّ " والخبرُ الجارُّ تقديره : فاعلموا أن تنزيله ، أو أن الذي أنزل ملتبسٌ بعلمٍ{[18701]} .

وقرأ زيد بن علي " نزَّل " بفتح النون والزاي المشددة ، وفاعل " نزَّل " ضميرُ الله تعالى ، و{ وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } نسقٌ على " أنَّ " قبلها ، ولكن هذه مخففةٌ فاسمها محذوفٌ ، وجملة النَّفي خبرها .

فصل

إن قلنا هذا خطاب للمؤمنين ، فالمعنى : ابقوا على العلم الذي أنتم عليه ؛ لتزدادوا يقيناً وثبات قدمٍ ، على أنه منزَّل من عند الله .

وقوله : { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أي : مخلصون ، وقيل : فيه إضمار ، أي : فقولوا أيُّها المسلمون للكفار : اعلموا أنَّما أنزل بعلم الله ، يعني القرآن .

وقيل : أنزله ، وفيه علمه ، وإن قيل : إن هذا الخطاب مع الكفار ، فالمعنى : إن الذين تدعونهم من دون الله ، إذا لم يستجيبوا لكم في الإعانة على المعارضة ، فاعلموا أيها الكفار ؛ أن هذا القرآن ، إنما أنزل بعلمه ، فهل أنتم مسلمون ، فقد وقعت الحجة عليكم ، وأن لا إله إلا هو ، فاعلموا أنَّهُ لا إله إلا هُو .

{ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } لفظهُ استفهام ، ومعناه أمر ، أي : أسلموا .

قال بعض المفسِّرين : وهذا القول أولى ؛ لأن القول الأول يحتاج فيه إلى إضمار القول ، وهذا لا يحتاج إلى إضمار ، وأيضاً : فعود الضمير إلى أقرب مذكور أولى ، وأيضاً : فالخطابُ الأول كان مع الكفار بقوله : { مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله } ، وأيضاً فالأول أمر بالثبات .

فإن قيل : أين يعلَّق الشرط المذكور في هذه الآية ، وأين ما فيها من الجزاء ؟

فالجواب : أن القوم ادعوا كون القرآن مفترًى على الله تعالى ، فقال : لو كان متفرًى على الله تعالى ، لوجب أن يقدر الخلقُ على مثله ، ولما لم يقدروا عليه ، ثبت أنَّهُ من الله ، فقوله ( إنا أنزل بعلم الله ) : كنايةٌ عن كون من عند الله ، ومن قبله ؛ كما يقول الحاكم : هذا الحكم جدير بعلمي .

فإن قيل : أي تعلُّق لقوله : { وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } بعجزهم عن المعارضة ؟ .

فالجواب من وجهين :

أحدهما : أنه تعالى لمَّا أمر محمداً - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه - بأن يطلب من الكفار أن يستعينوا بالأصنامِ في تحقيق المعارضة ثم ظهر عجزهم عنها فحينئذ ظهر أنَّها لا تنفعُ ولا تضرُّ في شيءٍ من المطالب ألبتة ، ومن كان كذلك ، فقد بطلت إلهيته ، فصار عجزُ القوم عن المعارضة بعد الاستعانة بالأصنام مبطلاً لإلهية الأصنام ، ودليلاً على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم ، فكان قوله : { وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } إشارة إلى ظهور فسادِ إلاهيَّة الأصنام .

وثانيها : أنَّهُ ثبت في علم الأصول أنَّ القول بنفي الشَّريك عن الله من المسائل التي يمكن إثباتها بقول الرَّسُول - صلوات الله وسلامه عليه - فكأنَّهُ قيل : لمَّا ثبت عجزُ الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقاً ، وثبت كون قول محمد صدقاً في دعوى الرِّسالةِ .

وإذا ثبت ذلك فأعلمهم يا محمد أن لا إله إلا هو ، واتركُوا الإصرار على الكفر ، واقبلوا الإسلام . ونظيره قوله تعالى - في سورة البقرة عند ذكر آية التحدِّي - { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [ البقرة : 24 ] .


[18701]:ينظر: البحر المحيط 5/209، والدر المصون 4/84.