روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (42)

وقوله سبحانه : { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ في مَوْجٍ كالجبال } جوز فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون مستأنفاً ، الثاني : أن يكون حالاً من الضمير المستتر في { بِسْمِ اللَّهِ } أي جريانها استقر { بِسْمِ اللَّهِ } [ هود : 41 ] حال كونها جارية ، الثالث : أنه حال من شيء محذوف دل عليه السياق أي فركبوا فيها جارية ، والفاء المقدرة للعطف ، و { بِهِمُ } متعلق بتجري أو بمحذوف أي ملتبسة والمضارع لحكاية الحال الماضية ولا معنى للحالية من الضمير المستتر في الحال الأولى كما لا يخفى ، والموج ما ارتفع من الماء عند اضطرابه ، واحده موجة و { كالجبال } في موضع الصفة لموج أي في موج مرتفع متفاوت في الارتفاع متراكم ، قيل : إنها جرت بهم في موج كذلك وقد بقي منها فوق الماء ستة أذرع ، واستشكل هذا الجريان مع ما روي أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وأن السفينة كانت تجري في داخله كالسمك ، وأجيب بأن الرواية مما لا صحة لها ويكاد العقل يأبى ذلك ، نعم أخرج ابن أبي شيبة . وابن جرير . وابن عساكر . وعبد بن حميد من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير قال : إن الماء علا رأس كل جبل خمسة عشر ذراعاً على أنه لو سلم صحة ما ذكر فهذا الجريان كان في ابتداء الأمر قبل أن يتفاقم الخطب كما يدل عليه قوله سبحانه : { ونادى نُوحٌ ابنه } الخ فإن ذلك إنما يتصور قبل أن تنقطع العلاقة بين السفينة والبر إذ حينئذٍ يمكن جريان ما جرى بين نوح عليه السلام وبين ابنه من المفاوضة والاستدعاء إلى السفينة ، والجواب بالاعتصام بالجبل .

وقال بعض المحققين : إن هذا النداء إنما كان قبل الركوب في السفينة والواو لا تدل على الترتيب ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ ابنها على أن ضمير التأنيث لامرأته ، وفي إضافته إليها إشعار بأنه ربيبه لأن الإضافة إلى الأم مع ذكر الأب خلاف الظاهر ، وإن جوزوه ، ووجه بأنه نسب إليها لكونه كافراً مثلها ، وما يقال من أنه كان لغير رشدة لقوله سبحانه : { فَخَانَتَاهُمَا } [ التحريم : 10 ] فارتكاب عظيمة لا يقادر قدرها فإن الله تعالى قد طهر الأنبياء عليهم السلام عما هو دون ذلك من النقص بمراحل فحاشاهم ثم حاشاهم أن يشار إليهم بأصبع الطعن وإنما المراد بالخيانة الخيانة في الدين ، ونسبة هذا القول إلى الحسن . ومجاهد كما زعم الطبرسي كذب صريح ، وقرأ محمد بن علي . وعروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهم { ابنه } بهاء مفتوحة دون ألف اكتفاءاً بالألف( {[323]} ) عنها وهو لغة كما قال ابن عطية ومن ذلك قوله

أما تقود بها شاة فتأكلها *** أو أن تبيعه في بعض الأراكيب

قيل : وهو ضعيف في العربية حتى خصه بعضهم بالضرورة والضمير للأم أيضاً ، وقرأ ابن عباس ابنه بسكون الهاء ، وهي على ما قال ابن عطية . وأبو الفضل الرازي . لغة أزد فإنهم يسكنون هاء الكناية من المذكر ، ومنه قوله :

ونضواي( {[324]} ) مشتاقان له أرقان *** وقيل : إنها لغة لبني كلاب . وعقيل ، ومن النحويين من يخص هذا السكون بالضرورة وينشد

وأشرب الماء ما بي نحوه عطش *** إلا لأن عيونه سيل واديها

وقرأ السدي ابناه بألف وهاء سكت ، وخرج ذلك على الندبة ، واستشكل بأن النحاة صرحوا بأن حرف النداء لا يحذف في الندبة ، وأجيب بأن هذا حكاية ، والذي منعوه في الندبة نفسها لا في حكايتها ، وعن ابن عطية أبناه بفتح همزة القطع . التي للنداء ، وفيه أنه لا ينادي المندوب بالهمزة ، وأن الرواية بالوصل فيها والنداء بالهمزة لم يقع في القرآن ، ويبعد القول بالندبة أنها لا تلائم الاستدعاء إلى السفينة بعد كما لا يخفى ولو قيل : إن ابناه على هذه القراءة مفعول نادى أيضاً كما في غيرها من القراءات ، والألف للإشباع والهاء الساكنة هاء الضمير في بعض اللغات لم يكن هناك محذور من جهة المعنى وهو ظاهر ، نعم يتوقف القول بذلك على السماع في مثله ؛ ومتى ثبت تعين عندي تخريج القراءة إن صحت عليه ، وقرأ الجمهور { ابنه } بالإضافة إلى ضمير نوح ، ووصلوا بالهاء واواً وتوصل في الفصيح ، وتنوين { نُوحٌ } مكسور عند الجمهور دفعاً لالتقاء الساكنين ، وقرأ وكيع بضمه اتباعاً لحركة الإعراب .

وقال أبو حاتم : هي لغة سوء لا تعرف { وَكَانَ في مَعْزِلٍ } أي مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وإخوته ومن آمن من قومه ، والمراد بعده عنهم إما حساً أو معنى ، وحاصله المخالفة لهم في الدين فمعزل بالكسر اسم مكان العزلة ، وهي إما حقيقية أو مجازية ، وقد يكون اسم زمان ، وإذا فتح كان مصدراً ، وقيل : المراد كان في معزل عن الكفار قد انفرد عنهم ، وظن نوح عليه السلام أنه يريد مفارقتهم ولذلك دعاه إلى السفينة ، وقيل : إنما ناداه لأنه كان ينافقه فظن أنه مؤمن ، واختاره كثير من المحققين كالماتريدي . وغيره ، وقيل : كان يعلم أنه كافر إلى ذلك الوقت لكنه عليه السلام ظن أنه عند مشاهدة تلك الأهوال وبلوغ السيل الزبي ينزجر عما كان عليه ويقبل الإيمان ، وقيل : لم يجزم بدخوله في الاستثناء لما أنه كان كالمجمل فحملته شفقة الأبوة على أن ناداه { يبَنِى } بفتح الياء التي هي لام الكلمة اجتزاءاً بالفتحة عن الألف المبدلة من ياء الإضافة في قوله يا بنيا ، وقيل : إنها سقطت لالتقائها ساكنة مع الراء الساكنة بعدها ، ويؤيد الأول أنه قرىء كذلك حيث لا ساكن بعد .

ومن الناس من قال : فيه ضعف على ما حكاه يونس من ضعف يا أب ويا أم بحذف الألف والاجتزاء عنها بالفتحة .

وقرأ الجمهور بالكسر اقتصاراً عليه من ياء الإضافة ، وقيل : إنها حذفت لالتقاء الساكنين كما قيل ذلك في الألف ، ونداؤه بالتصغير من باب التحنن والرأفة ، وكثيراً ما ينادي الوالد ولده كذلك { اركب مَّعَنَا } أي في السفينة ولتعينها وللإيذان بضيق المقام حيث حال الجريض دون القريض مع إغناء المعية عن ذكرها لم تذكر ، وأطلق الركوب وتخفيف الباء وإدغامها في الميم قراءتان سبعيتان ووجه الإدغام التقارب في المخرج { وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } تأكيد للأمر وهو نهي عن مشايعة الكفرة والدخول في غمارهم ، وقطع بأن الدخول فيه يوجب الغرق على الطريق البرهاني .

( ومن باب الإشارة ) : { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ في مَوْجٍ } من بحر الطبيعة الجسمانية { كالجبال } الحاجبة للنظر المانعة من السير وهم لا يبالون بذلك محفوظون من أن يصيبهم شيء من ذلك الموج ، وهذا الجريان يعرض للسالك في ابتداء أمره ولولا أنه محفوظ في لزوم سفينة الشرع لهلك .

/ ولعل في الآية على هذا تغليباً { ونادى نُوحٌ ابنه } المحجوب بالعقل المشوب بالوهم { وَكَانَ في مَعْزِلٍ } لذلك الحجاب عن الدين والشريعة { مَعْزِلٍ يابنى اركب مَّعَنَا } أي ادخل في ديننا { وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } [ هود : 42 ] المحجوبين الهالكين بأمواج هوى النفس المغرقين في بحر الطبع


[323]:- قوله: اكتفاءا بالألف الخ كذا في خطه ولعله بالفتحة عن الألف.
[324]:- قوله ونضواي كذا بخطه رحمه الله، والذي في الصحاح. وغيره ومطواي.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (42)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل} كان معتزلا عنه، {يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} فتغرق معهم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني تعالى ذكره بقوله:"وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ": والفلك تجري بنوح ومن معه فيها "فِي مَوْجٍ كالجبالِ وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ فِي مَعْزِلٍ عنه "لم يركب معه الفلك: "يا بُنَيّ ارْكَبْ مَعَنا الفلك وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ".

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) هذا يدل على ما ذكرنا أنها كانت بالله تجري، وبه ترسو حيث لم يخافوا الغرق مع ما كان من الأمواج. وأما سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها لما كانوا هم الذين يتولون، ويتكلفون إجراءها ووقوفها، والله أعلم.

(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) هذا يدل على أنها كانت آية لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها. فإذا أخبر أنها تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير آية لهم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

أخبر الله تعالى عن حال السفينة بعد الغرق أنها كانت تجري على الماء في أمواج كالجبال. والجري: مر سريع كمر الماء على وجه الارض... والموج جمع موجة، وهي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة الماء الكثير، ومنه أمواج البحر وأعظم ما يكون إذا اشتدت به الريح، وشبه الله تعالى الأمواج بالجبال في عظمها، والجبل: جسم عظيم الغلظ شاخص من الأرض هو لها كالوتد في عظمه... وقوله "ونادى نوح ابنه وكان في معزل "فالمعزل: موضع منقطع عن غيره. وكان ابن نوح في ناحية منقطعة عنه حين ناداه...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

حينما نطق بِلسانِ الشفقةِ وقال: {يَابُنَيَ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} -لم يقل له: ولا تكن من الكافرين؛ لأن حالته كانت مُلْتَبِسةُ على نوح إذ كان ابنُه ينافقه- فقيل له: يا نوح إنه مع الكافرين لأنه في سابق حُكْمِنا من الكافرين...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

...كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: بسم الله، {وَهِي تَجْرِى بِهِمْ} أي تجري وهم فيها. {فِي مَوْجٍ كالجبال} يريد موج الطوفان، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها...

والمعزل:... من عزله عنه إذا نحاه وأبعده، يعني وكان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن قوله: {وهى تجرى بهم في موج كالجبال} مسائل:

...

...

...

المسألة الثانية: الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية الشديدة العاصفة، فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة، والمقصود منه: بيان شدة الهول والفزع.

المسألة الثالثة: الجريان في الموج، هو أن تجري السفينة داخل الموج، وذلك يوجب الغرق، فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب، شبهت تلك السفينة بما إذا جرت في داخل تلك الأمواج...

واعلم أن قوله: {وكان في معزل} لا يدل على أنه في معزل من أي شيء فلهذا السبب ذكروا وجوها:

الأول: أنه كان في معزل من السفينة لأنه كان يظن أن الجبل يمنعه من الغرق:

الثاني: أنه كان في معزل عن أبيه وإخوته وقومه.

الثالث: أنه كان في معزل من الكفار كأنه انفرد عنهم فظن نوح عليه السلام أن ذلك إنما كان لأنه أحب مفارقتهم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فركبوها واستمروا سائرين فيها يقولون: بسم الله {وهي} أي والحال أنها {تجري بهم}. ولما كان الماء مهيئاً للإغراق، فكان السير على ظهره من الخوارق، وأشار إلى ذلك بالظرف فقال: {في موج} ونبه على علوه بقوله: {كالجبال} أي في عظمه وتراكمه وارتفاعه، فالجملة حال من فركبوها، المقدر لأنه لظهوره في قوة الملفوظ، وكان هذه الحال مع أن استدامة الركوب ركوب إشارة إلى سرعة امتلاء الأرض من الماء وصيرورته فيها أمثال الجبال عقب ركوبهم السفينة من غير كبير تراخ... ولما كان ابتداء الحال في تفجر الأرض كلها عيوناً وانهمار السماء انهماراً -مرشداً إلى أن الحال سيصير إلى ما أخبر الله به من كون الموج كالجبال لا ينجي منه إلا السبب الذي أقامه سبحانه، تلا ذلك بأمر ابن نوح فقال عاطفاً على قوله {وقال اركبوا} {ونادى نوح ابنه}... {وكان} أي الإبن {في معزل} أي عن أبيه في مكانه وفي دينه لأنه كان كافراً، وبين أن ذلك المعزل كان على بعض البعد بقوله: {يا بني} صغَّره تحنناً وتعطفاً {اركب} كائناً {معنا} أي في السفينة لتكون من الناجين {ولا تكن} أي بوجه من الوجوه {مع الكافرين} أي في دين ولا مكان إشارة إلى أن حرص الرسل عليهم السلام وشفقتهم- وإن كانت مع رؤية الآيات العظام والأمور الهائلة -ليست سبباً للين القلوب وخضوع النفوس ما لم يأذن الله، انظر إلى استعطاف نوح عليه السلام بقوله {يا بني} مذكراً له بالبنوة مع تصغير التحنن والتراؤف، وفظاظة الابن مع عدم سماحه بأن يقول: يا أبت، ولم يلن مع ما رأى من الآيات العظام ولا تناهى لشيء منها عن تقحم الجهل بدلاً من العلم وتعسف الشبهة بدلاً من الحجة...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{وهي تجري بهم في موج كالجبال} هذا تصوير لحالها في جريها بهم كأنها حاضرة أمام القارئ أو السامع، أي تجري في أثناء موج يشبه الجبال في علوه وارتفاعه وامتداده، وهو ما يحدث في ظاهر البحر عند اضطرابه من التموج والارتفاع بفعل الرياح، واحده موجة وجمعه أمواج: وأصل الموج الاضطراب ومنه {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} [الكهف: 99] ومن عرف ما يحدث في البحار العظيمة من الأمواج عندما تهيجها الرياح الشديدة، رأى أن المبالغة في هذا التشبيه غير بعيدة، وصف لي بعضهم سفره في المحيط الهندي في زمن رياح الصيف التي يسمونها الموسمية بما معناه: كنت أرى السفينة تهبط بنا في غور عميق، كواد سحيق، نرى البحر من جانبيه كجبلين عظيمين يكادان يطبقان عليها، فإذا بها قد اندفعت إلى أعلى الموج كأنها في شاهق جبل تريد أن تنقض منه، والملاحون يربطون أنفسهم بالحبال على ظهرها وجوانبها، لئلا يجرفهم ما يفيض من الموج عليها، وراجع وصف البحر في تفسير قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} [يونس: 22].

{ونادى نوح ابنه} عند الركوب في السفينة وقبل جريانها ولم يسبق له ذكر وسيأتي بقية خبره في آخر القصة {وكان في معزل} أي مكان عزلة وانفراد دون أهله الذين ركبوا فيها ودون الكفار {يا بني اركب معنا} أي مع والدك وأهلك الناجين {ولا تكن مع الكافرين} المقضي عليهم بالهلاك.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن الهول هنا هولان: هول في الطبيعة الصامتة، وهول في النفس البشرية يلتقيان: (وهي تجري بهم في موج كالجبال).. وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح، فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم، وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة، ويروح يهتف بالولد الشارد: (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين)...

.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

الموج: ما يرتفع من الماء على سطحه عند اضطرابه، وتشبيهه بالجبال في ضخامته. وذلك إما لكثرة الرياح التي تعلو الماء وإما لدفع دفقات الماء الواردة من السيول والتقاء الأودية الماءَ السابقَ لها، فإن حادث الطوفان ما كان إلاّ عن مثل زلازل تفجرت بها مياه الأرض وأمطار جمّة تلتقي سيولها مع مياه العيون فتختلط وتجتمع وتصب في الماء الذي كان قبلها حتى عم الماء جميع الأرض التي أراد الله إغراق أهلها، كما سيأتي. {ونادى نوح ابنه وكان بمعزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} عطفت جملة {ونادى} على أعلق الجمل بها اتّصالاً وهي {وقال اركبوا فيها} [هود: 41] لأن نداءه ابنه كان قبل جريان السفينة في موج كالجبال، إذ يتعذر إيقافها بعد جريها لأن الراكبين كلّهم كانوا مستقرين في جوف السفينة... وجملة {يا بنيّ اركب معنَا} بيان لجملة {نادى} وهي إرشاد له ورفق به. وأما جملة {ولا تكن مع الكافرين} فهي معطوفة على جملة {اركب معنا} لإعلامه بأنّ إعراضه عن الركوب يجعله في صف الكفار إذ لا يكون إعراضه عن الركوب إلاّ أثراً لتكذيبه بوقوع الطوفان. فقول نوح عليه السّلام له {اركب معنا} كناية عن دعوته إلى الإيمان بطريقة العرض والتحذير. وقد زاد ابنَه دلالة على عدم تصديقه بالطوفان قولُه متهكماً {سَآوي إلى جبل يعصمني من الماء}. و (بنيّ) تصغير (ابن) مضافاً إلى ياء المتكلم. وتصغيره هنا تصغير شفقة بحيث يجعل كالصغير في كونه محل الرحمة والشفقة...

.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لم يكن نوح هذا النّبي العظيم أباً فحسب، بل كان مربيّاً لا يعرف التعب والنصب، ومتفائلا بالأمل الكبير بحيث لم ييأس من ابنه القاسي القلب، فناداه عسى أن يستجيب له، ولكن للأسف كان أثر المحيط السيء عليه أكبر من تأثير قلب أبيه المتحرّق عليه...