وقد قرر ذلك بإظهار التوكل على من كفاه ضرهم في قوله { إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبّى وَرَبّكُمْ } وفيه تعليل لنفي ضرهم بطريق برهاني يعني أنكم وإن لم تبقوا في القوس منزعاً وبذلتم في مضادتي مجهودكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكل على الله تعالى واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يصدر عنكم شيء ولا يصيبني أمر إلا بإرادته ، وجىء بلفظ الماضي لأنه أدل على الإنشاء المناسب للمقام ، ثم إنه عليه السلام برهن على عدم قدرتهم على ضره مع توكله عليه سبحانه بقوله : { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } أي إلا هو مالك لها قادر عليها يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه سبحانه ، والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها ، واستعمال الأخذ بالناصية في القدرة والتسلط مجاز أو كناية ، وفي «البحر » أنه صار عرفاً في القدرة على الحيوان ، وكانت العرب تجز الأسير الممنون عليه علامة على أنه قد قدر عليه وقبض على ناصيته ، وقوله : { إِنَّ رَبّى على * صراط مُّسْتَقِيمٍ } مندرج في البرهان وهو تمثيل واستعارة لأنه تعالى مطلع على أمور العباد مجاز لهم بالثواب والعقاب كاف لمن اعتصم به كمن وقف على الجادة فحفظها ودفع ضرر السابلة بها ، وهو كقوله سبحانه : { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } [ الفجر : 14 ] ، وقيل : معناه إن مصيركم إليه تعالى للجزاء وفصل القضاء ، ولعل الأول أولى ، وفي «الكشف » إن في قوله : { إِنّى تَوَكَّلْتُ } الآية من اللطائف ما يبهرك تأمله من حسن التعليل ، وما يعطيه أن من توكل عليه لم يبال بهول ما ناله ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله : { رَبّى وَرَبَّكُمْ } فكيف يصاف من لزم سدّة العبودية وينجو من تولى مع ما يعطيه من وجوب التوكل عليه سبحانه إذا كان كذلك وترشيخه بقوله : { مَّا مِن دَابَّةٍ } إلى تمام التمثيل فإنه في الاقتدار على المعرض أظهر منه في الرأفة على المقبل خلاف الصفة الأولى ، وما فيه من تصوير ربوبيته واقتداره تعالى وتصوير ذل المعبودين بين يدي قهره أياً مّا كان ، والختم بما يفيد الغرضين على القطع كفاية من إياه تولى وخزاية من أعرض عن ذكره وتولى بناءاً على أن معناه أنه سبحانه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم ، وفي قوله : { رَبّى } من غير إعادة { وَرَبّكُمْ } كما في الأول نكتة سرية بعد اختصار المعنى عن الحشو فيه ما يدل على زيادة اختصاصه به وأنه رب الكل استحقاقاً وربه دونهم تشريفاً وإرفاقاً .
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : قوله سبحانه في قصة هود عليه السلام : { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ هود : 56 ] فيه إشارة إلى أن كل ذي نفس تحت قهره سبحانه وسلطانه أسير في يد تصرفه وملكته عاجز عن الفعل إلا بإذنه وأنه عز وجل لا يسلط أحداً على أحد إلا عن استحقاق ذنب أو رفع درجة وإعلاء منزلة لأنه تبارك وتعالى على طريق العدل الذي لا اعوجاج فيه ، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في فصوصه : إن كل ما سوى الحق فهو دابة فإنه ذو روح وما ثم من يدب بنفسه وإنما يدب بغيره بحكم التبعية للذي هو على صراط مستقيم فكل ماش فهو على الصراط المستقيم وحينئذ فلا مغضوب عليه ولا ضال من هذا الوجه ، نعم إن الناس على قسمين : أهل الكشف .
وأهل الحجاب ، فالأولون يمشون على طريق يعرفونها ويعرفون غايتها فهي في حقهم صراط مستقيم كما أنها في نفس الأمر كذلك ، والآخرون يمشرون على طريق يجهلونها ولا يعرفون غايتها وأنها تنتهي إلى الحق فهي في حقهم ليست صراطاً مستقيماً وإن كانت عند العارف ونفس الأمر صراطاً مستقيماً ، واستنبط قدس سره من الآية أن مآل الخلق كلهم إلى الرحمة التي وسعت كل شيء ، وهي الرحمة السابقة على الغضب ، وادعى أن فيها بشارة للخلق أي بشارة .
وقال القيصري في تفسيرها : أي ما من شيء موجود إلا هو سبحانه آخذ بناصيته وإنما جعل دابة لأن الكل عند صاحب الشهود وأهل الوجود حي ، فالمعنى ما من حي إلا والحق آخذ بناصيته ومتصرف فيه بحسب أسمائه يسلك به أي طريق شاء من طرقه وهو على صراط مستقيم ؛ وأشار بقوله سبحانه : { أَخَذَ } إلى هوية الحق الذي مع كل من الأسماء ومظاهرها ، وإنما قال : { إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } بإضافة الرب إلى نفسه ، وتنكير الصراط تنبيهاً على أن كل رب على صراطه المستقيم الذي عين له من الحضرة الآلهية ، والصراط المستقيم الجامع للطرق هو المخصوص بالاسم الإلهي ومظهره لذلك قال في الفاتحة المختصة بنبينا صلى الله عليه وسلم : { اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة : 6 ] بلام العهد . أو الماهية التي منها تتفرع جزئياتها ، فلا يقال : إذا كان كل أحد على الصراط المستقيم فما فائدة الدعوة ؟ لأنا نقول : الدعوة إلى الهادي من المضل . وإلى العدل من الجائر كما قال سبحانه : { يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً } [ مريم : 85 ] انتهى بحروفه ، وأعظم من هذا إشكالاً التكليف مع القول بالوحدة وكذا التنعيم والتعذيب فإن الظاهر من التقرير لكلام المحققين من الصوفية أن المكلف عبارة عن موجود هو حصة من الوجود المطلق المفاض على حقائق الممكنات المتعين بتعينات مختلفة اقتضتها الاستعدادات الذاتية للحقائق التي هي المعدومات المتميزة في نفس الأمر المستعدة باستعدادات ذاتية غير مجعولة ، فالمكلف مقيد من مقيدات الوجود المطلق المفاض ، والمقيد لا يوجد بدون المطلق لأنه قيومه ، والمطلق من حيث الإطلاق عين الحق ، ولا شك أن قاعدة التكليف تقتضي أن يكون بينهما مغايرة ومباينة حقيقية ذاتية حتى يصح التكليف وما يترتب عليه من التعذيب والتنعيم .
وأجيب بأن حقيقة الممكن أمر معدوم متميز في نفسه بتميز ذاتي غير مجعول ووجوده خاص مقيد بخصوصية ما اقتضاها استعداده الذاتي لماهيته العدمية فهو مركب من الوجود والعدم وحقيقته مغايرة لوجوده تعقلاً لتمايزهما ذهنا ، ولا ينافي ذلك قول الأشعري : وجود كل شيء عين حقيقته لما بين في محله وحقيقة الحق تعالى لا تغاير وجوده ووجوده سبحانه هو الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي حسبما حققه محققو الصوفية ، فالمغايرة الذاتية بين المكلف والمكلف في غاية الظهور لأن المكلف هو المعدوم اللابس لحصة من الوجود المتعين بمقتضى حقيقته ، والمكلف سبحانه هو الحق عز وجل الذي هو عين الوجود المطلق الغير المقترن بماهية عدمية ، وبعبارة أخرى : إن حقيقة الممكن أمر معدوم .
وحقيقة الواجب سبحانه الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق وقد وقع في البين تجلي الهوية في العبد وذلك التجلي هو الجامع للقدرة وغيرها من الكمالات التي يتوقف عليها التلكيف بمقتضى الحكمة ومحقق للمغايرة .
وحاصل ذلك أن حقيقة المزج بين تجلي الهوية والصورة الخلقية المتعينة بمقتضى الحقيقة العدمية هي التي أحدثت ما به يصح التكليف وما يترتب عليه ، وكون الحق سبحانه قيوماً للوجود المقيد غير قادح في ذلك بل القيومية هي المصححة له لما تبين من النصوص أنه لا تكليف إلا بالوسع ولا وسع للممكن إلا بقيوميته تعالى بنص { مَا شَاء الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله } [ الكهف : 39 ] وما هو بالله فهو لله تعالى ، والبحث في ذلك طويل ، وبعض كلماتهم يتراءى منها عدم المغايرة بين المكلف والمكلف من ذلك ما قيل :
لقد كنت دهراً قبل أن يكشف الغطا *** إخالك أني ذاكر لك شاكر
فلما أضاء الليل أصبحت شاهدا *** بأنك مذكور وذكر وذاكر
لكن ينبغي أن لا يبادر سمعها بالإنكار ، ويرجع في المراد منها إلى العارفين بدقائق الأسرار ، هذا وقد تقدم الكلام في ناقة صالح عليه السلام ، وفيما قص الله تعالى ههنا عن إبراهيم عليه السلام إشارة إلى بعض آداب الفتوة ، فقد قالوا : إن من آدابها إذا نزل الضيف أن يبدأ بالكرامة في الإنزال ؛ ثم يثني بالكرامة بالطعام ، وإنما أوجس عليه السلام في نفسه خيفة لأنه ظن الغضب ، والخليل يخشى غضب خليله ومناه رضاه ، ولله در من قال :
لعلك غضبان ولست بعالم *** سلام على الدارين إن كنت راضياً
وفي هذه القصة دليل على أنه قد ينسد باب الفراسة على الكاملين لحكم يريدها الله تعالى ، ومن ذلك لم يعرف إبراهيم وكذا لوط عليهما السلام الملائكة عليهم السلام في أول الأمر ، وكانت مجادلته عليه السلام من آثار مقام الإدلال على ما قيل .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{إني توكلت على الله} يعني وثقت بالله، {ربي وربكم} حين خوفوه آلهتهم أنها تصيبه، {ما من دابة}، يعني ما من شيء، {إلا} و {هو آخذ بناصيتها}، يقول: إلا الله يميتها، {إن ربي على صراط مستقيم} يعني على الحق المستقيم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول: إني على الله الذي هو مالكي ومالككم والقّيم على جميع خلقه "تَوَكّلْتُ "من أن تصيبوني أنتم وغيركم من الخلق بسوء، فإنه ليس من شيء يدبّ على الأرض إلا والله مالكه وهو في قبضته وسلطانه ذليل له خاضع...
فإن قال قائل: وكيف قيل: هو آخذ بناصيتها، فخصّ بالأخذ الناصية دون سائر أماكن الجسد؟ قيل: لأن العرب كانت تستعمل ذلك في وصفها من وصفته بالذلة والخضوع، فتقول: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي أنه له مطيع يصرفه كيف شاء، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزّوا ناصيته ليعتدوا بذلك عليه فخرا عند المفاخرة، فخاطبهم الله بما يعرفون في كلامهم، والمعنى ما ذكرت...
"إنّ رَبّي على صِرَاط مُسْتَقِيمٍ" يقول: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدا منهم شيئا ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان به...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ) أي فوضت أمري إليه، أو وكلته جميع أعمالي... واعتمدت عليه، فيما توعدونني من الهلاك، أو توكلت عليه في دفع ما أوعدتموني (ربي وربكم) أي كيف توعدونني بآلهتكم التي تعبدون؟
(مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) يميتها متى شاء.
(آخذ بناصيتها) أي في ملكه وسلطانه...
(إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي على الذي أمرني ربي، ودعاني إليه. أو يكون قوله: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي إن الذي أمرني ربي، ودعاني إليه، هو صراط مستقيم...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{إن ربِّي على صراط مستقيم} فيه وجهان:
الثاني: على تدبير محكم، قاله علي بن عيسى.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
هذه الآية فيها حكاية ما قال هود لقومه بعد ذكر ما قدم من القول فيه أني توكلت على الله. والتوكل: تفويض الأمر إلى الله تعالى على طاعته فيما أمر به، لأن ذلك من تسليم التدبير له، لأنه أفعاله كلها جارية على ما هو أصلح للخلق.
"ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها" معناه ليس من حيوان يدب إلا وهو تعالى آخذ بناصيته أي قادر على التصرف فيه، وتصريفه كيف شاء، و (الناصية) قصاص الشعر ومنه...
وانما قال اخذ بناصيتها مع انه مالك لجميعها لما في ذلك من تصوير حالها على عادة معروفة من أمرها في إذلالها، فكل دابة في هذه المنزلة في الذلة لله تعالى.
"إن ربي على صراط مستقيم" معناه أن أمر ربي في تدبير خلقه على صراط مستقيم لاعوج فيه ولا اضطراب، فهو يجري على سبيل الصواب لا يعدل إلى اليمين والشمال والفساد. والفائدة هنا أن ربي وإن كان قادرا على التصريف في كل شيء فانه لا يفعل إلا العدل ولا يشاء إلا الخير...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أخبر أنه بموعودِ الله له بنُصْرتِه واثق، وأنه في خلوص طاعته لربّه وفي صفاء معرفته غيرُ مُفَارِقِ...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
لما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، من كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه، والأخذ بنواصيها، تمثيل لذلك.
{إِنَّ رَبّي على صراط مُّسْتَقِيمٍ} يريد أنه على طريق الحق والعدل في ملكه، لا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
المعنى: أن توكلي على الله الذي هو ربي وربكم مع ضعفي وانفرادي وقوتكم وكثرتكم يمنعني منكم ويحجز بيني وبينكم؛ ثم وصف قدرة الله تعالى وعظم ملكه بقوله: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها}...
وقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} يريد أن أفعال الله عز وجل هي في غاية الإحكام، وقوله الصدق، ووعده الحق؛ فجاءت الاستقامة في كل ما ينضاف إليه عز وجل...
لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :
والناصية مقدم الرأس وسمي الشعر الذي عليه ناصية للمجاورة.
التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :
أخبر عن عموم قدرته تعالى، وأن الخلق كلهم تحت تسخيره وقدرته، وأنه آخذ بنواصيهم، فلا محيص لهم عن نفوذ مشيئته وقدرته فيهم. ثم عقب ذلك بالإخبار عن تصرفه فيهم، وأنه بالعدل لا بالظلم، وبالإحسان لا بالإساءة، وبالصلاح لا بالفساد، فهو يأمرهم وينهاهم إحسانا إليهم وحماية وصيانة لهم. ولا حاجة إليهم، ولا بخلا عليهم، بل جودا وكرما وبرا ولطفا، ويثيبهم إحسانا وتفضلا ورحمة. لا لمعاوضة واستحقاق منهم ودين واجب لهم يستحقونه عليه ويعاقبهم عدلا وحكمة، لا تشفيا ولا مخافة ولا ظلما، كما يعاقب الملوك وغيرهم. بل هو على الصراط المستقيم وهو صراط العدل والإحسان. في أمره ونهيه، وثوابه وعقابه...
فكونه تعالى على صراط مستقيم: ينفي ظلمه للعباد وتكليفه إياهم ما لا يطيقون، وينفى العيب عن أفعاله وشرعه، ويثبت لها غاية الحكمة والسداد، ردا على منكري ذلك، وكون كل دابة تحت قبضته وقدرته، وهو آخذ بناصيتها، ينبغي أن لا يقع في ملكه من أحد مخلوقاته شيء بغير مشيئته وقدرته. وأن من ناصيته بيد الله وفي قبضته لا يمكنه أن يتحرك إلا بتحريكه، ولا يفعل إلا بإقداره، ولا يشاء إلا بمشيئته تعالى... فهو سبحانه على صراط مستقيم في عطائه ومنعه، وهدايته، وإضلاله، وفي نفعه وضره، وعافيته، وبلائه، وإغنائه، وإفقاره، وإعزازه، وإذلاله، وإنعامه وانتقامه، وثوابه وعقابه، وإحيائه وإماتته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، وفي كل ما يخلق، وكل ما يأمر به، وهذه المعرفة بالله لا تكون إلا للأنبياء ولورثتهم...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جَمَاد لا تسمع ولا تبصر، ولا تُوالي ولا تُعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له، الذي بيده الملك، وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
كأنه قيل: هب أن آلهتنا لا شيء، فما حملك على الاجتراء على مخالفتنا نحن وأنت تعلم كثرتنا وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون واحداً منا فقال: {إني} أي جسرت على ذلك لأني {توكلت} معتمداً {على الله} الملك المرهوب عقابه الذي لا ملك سواه ولا رب غيره؛ وبين إحاطة ملكه بقوله: {ربي وربكم} أي الذي أوجدنا ودبر أمورنا قبل أن يخلقنا فعلم ما يعمل كل منا في حق الآخرة لأنه {ما من دابة} أي صغرت أو كبرت {إلا هو آخذ} أي أخذ قهر وغلبة {بناصيتها} أي قادر عليها، وقد صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة، لأن الكل جارون مع مراده لا مع مرادهم بل لا ينفك أحد عن كراهة لبعض ما هو فيه فدل ذلك قطعاً على أنه بغير مراده وإنما هو بمراد قاهر قهره على ذلك وهو الملك الأعلى سبحانه... {إن} أي لأن {ربي} أي المحسن إليّ بما أقامني فيه {على صراط} أي طريق واسع بين {مستقيم} ظاهر أمره لكل أحد لا لبس فيه أصلاً ولا خلل ولا اضطراب ولا اعوجاج بوجه، فلذلك كان كل من في الكون يتألهه ويدعو ويخافه ويرجوه وإن اتخذ بعضهم من دونه شركاء، وأما ما يعبد من دونه فلا يعظمه إلا عابده، وأما غير عابده فإنه لا يقيم له وزناً؛ فصح بهذا أنه غالب على كل شيء غلبة يعلمها كل موجود من غير خفاء أصلاً، فهو مرجو مرهوب بإجماع العقلاء بخلاف معبوداتكم، والحاصل أنه يلزم الصراط المستقيم الظهور، فيلزم عدم الاختلاف لانتفاء اللبس، فمن كان عليه كان عليّ القدر شهير الأمر، بصيراً بما يريد، مع الثبات والتمكن، مرهوب العاقبة، مقصوداً بالاتباع والمحبة، من لم يقبل إليه ضل، ومن أعرض عنه أخذ لكثرة أعوانه وعز سلطانه، فظهرت قدرته على عصمة من يتوكل عليه وعجز معبوداتهم معهم، لأن نواصي الكل بيده وهو ربها وربهم ورب كل شيء، فقد انطبق ختام الآية على قولهم {ما جئتنا ببينة} رداً له لأن من كان على صراط مستقيم لم يكن شيء أبين من أمره، وعلى جوابه في توكله وما في حيزه أتم انطباق؛ والناصية: مقدم الشعر من الرأس، و أصلها الاتصال من قولهم: مفازة تناصي مفازة -إذا كانت متصلة بها...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(إني توكلت على الله ربي وربكم).. ومهما أنكرتم وكذبتم. فهذه الحقيقة قائمة. حقيقة ربوبية الله لي ولكم. فالله الواحد هو ربي وربكم، لأنه رب الجميع بلا تعدد ولا مشاركة.. (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها).. وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض، بما فيها الدواب من الناس. والناصية أعلى الجبهة. فهو القهر والغلبة والهيمنة، في صورة حسية تناسب الموقف، وتناسب غلظة القوم وشدتهم، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم، وتناسب غلظ حسهم ومشاعرهم.. وإلى جانبها تقرير استقامة السنة الإلهية في اتجاهها الذي لا يحيد: (إن ربي على صراط مستقيم). فهي القوة والاستقامة والتصميم. وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي.. إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي الله هود -عليه السلام- في نفسه من ربه.. إنه يجد هذه الحقيقة واضحة.. إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها).. وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرا. فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها؛ وهي لا تسلط عليه -إن سلطت- إلا بإذن ربه؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه؟ إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه، لا تدع في قلبه مجالا للشك في عاقبة أمره، ولا مجالا للتردد عن المضي في طريقه. إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدا. وعند هذا الحد من التحدي بقوة الله، وإبراز هذه القوة في صورتها القاهرة الحاسمة، يأخذ هود في الإنذار والوعيد.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جملة {إنّي توكلت} تعليل لمضمون {فكيدوني} وهو التعجيز والاحتقار. يعني: أنه واثق بعجزهم عن كيده لأنه متوكل على الله، فهذا معنى ديني قديم. وأُجري على اسم الجلالة صفة الربوبية استدلالاً على صحة التوكل عليه في دفع ضرهم عنه، لأنه مالكهم جميعاً يدفع ظلم بعضهم بعضاً. وجملة {ما من دابة إلاّ هو آخذ بناصيتها} في محل صفة لاسم الجلالة، أو حال منه، والغرض منها مثل الغرض من صفة الربوبية...
وإنما كان تمثيلاً لأن دواب كثيرة لا نواصي لها فلا يلتئم الأخذ بالناصية مع عموم {ما من دابة}، ولكنه لما صار مثلاً صار بمنزلة: ما من دابة إلا هو متصرف فيها. ومن بديع هذا المثل أنّه أشدّ اختصاصاً بالنوع المقصود من بين عموم الدّواب، وهو نوع الإنسان.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
أي اعتمدت عليه سبحانه فهو يحميني بحكمته وتقديره وتدبيره وهو ربي وربكم، يعرف طاقتكم وما عندكم من قوة وتدبير، وإنه لا ريب ضعيف بجوار تدبيره، وقاض عليه سبحانه...
يعلن لهم هود عليه السلام حقيقة أنه يتوكل على الله تعالى الذي لا يعلوهم فقط، ولا يرزقهم وحدهم، بل هو الآخذ بناصية كل دابة تدب في الأرض ولها حرية وحركة...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
لا قوة لأحد إلا بإذن الله: وهذا ما أراد هود تأكيده أمام قومه من خلال موقفه: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ}، فهو مصدر القوة في الحياة لأنه مصدر حياة كل حيّ، وهو المهيمن على كل شيء، فلا تستطيعون إضراري إذا لم يأذن الله بذلك، لأنكم لا تملكون القوّة الذاتية، ولا يملكها أحدٌ من خلقه. {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} في ما يحمله الأخذ بالناصية وهي أعلى الجبهة من معنى كنائي، يفيد السيطرة على الأمر كله من جميع جوانبه. وهذا ما يوحي بحماية الإنسان المتوكل على الله بوعي داخلي، من كل سوء {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} في ما تمثله عقيدة الإيمان من قاعدة، وفي ما تتحرك به شريعته من خطّ ونهج، للفكر وللسلوك معاً، ولهذا فإنني سأظل سائراً في هذا الخط المستقيم، ولن أنحرف عنه تحت تأثير أي ضغط أو تهديد، أو طمع أو شهوة، مما تحاولون إثارته أمامي بأساليبكم المتنوّعة المليئة بالترغيب والترهيب، لأنّ ذلك هو معنى الإيمان بالله الذي يجعل الحياة، بكل آفاقها وساحاتها، تبدأ منه وتنتهي إليه...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إِشارة إلى أن لا يتصوروا أنّ هوداً سيتراجع إِن لم يستجيبوا لدعوته، فإِنّه أدى واجبه ووظيفته، وأداء الواجب انتصار بحدّ ذاته حتى لو لم تقبل دعوته، وهذا درس لجميع القادة الحقيقيين وأئمة طريق الحق ألاّ يحسّوا أبداً بالتعب والقلق من أعمالهم، وإِن لم يقبل الناس دعوتهم...