روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُواْ جَزَـٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَـٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} (75)

{ قَالُواْ } أي الإخوة { جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ } أي أخذ من وجد الصواع { فِى رَحْلِهِ } واسترقاقه ، وقدر المضاف لأن المصدر لا يكون خبراً عن الذات ولأن نفس ذات من وجد في رحله ليست جزاء في الحقيقة ، واختاروا عنوان الوجدان في الرحل دون السرقة مع أنه المراد لأن كون الأخذ والاسترقاق سنة عندهم ومن شريعة أبيهم عليه السلام إنما هو بالنسبة إلى السارق دون من وجد عنده مال غيره كيفما كان إشارة إلى كمال نزاهتهم حتى كأن أنفسهم لا تطاوعهم وألسنتهم لا تساعدهم على التلفظ به مثبتاً لأحدهم بأي وجه كان وكأنهم تأكيداً لتلك الإشارة عدلوا عمن وجد عنده إلى من وجد في رحله { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } أي فأخذه جزاؤه وهو تقدير للحكم السابق بإعادته كما في قولك : حق الضيف أن يكرم فهو حقه وليس مجرد تأكيد ، فالغرض من الأول إفادة الحكم ومن الثاني إفادة حقيته والاحتفاظ بشأنه كأنه قيل : فهذا ما تلخص وتحقق للناظر في المسألة لا مرية فيه ، قيل : وذكر الفاء في ذلك لتفرغه على ما قبله ادعاء وإلا فكان الظاهر تركها لمكان التأكيد ، ومنه يعلم أن الجملة المؤكدة قد تعطف لنكتة وإن لم يذكره أهل المعاني ، وجوز كون { مِنْ } موصولة مبتدأة وهذه الجملة خبره والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط وجملة المبتدأ وخبره خبر { جَزَاؤُهُ } . وأن تكون { مِنْ } شرطية مبتدأ و{ َوجَدَ *في رَحْلِهِ } فعل الشرط وجزاؤه فهو جزاؤه والفاء رابطة والشرط وجزاؤه خبر أيضاً كما في احتمال الموصولة . واعترض على ذلك بأنه يلزم خلو الجملة الواقعة خبراً للمبتدأ عن عائد إليه لأن الضمير المذكور لمن لا له . وأجيب بأنه جعل الاسم الظاهر وهو الجزاء الثاني قائماً مقام الضمير والربط كما يكون بالضمير يكون بالظاهر والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو أي فهو الجزاء ، وفي العدول ما علم من التقرير السابق وإزالة اللبس والتفخيم لا سيما في مثل هذا الموضع فهو كاللازم ، وقد صرح الزجاج بأن الإظهار هنا أحسن من الإضمار وعلله ببعض ما ذكر وأنشد :

لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** نغص الموت ذا الغنى والفقيرا

وبذلك يندفع ما في «البحر » اعتراضاً على هذا الجعل من أن وضع الظاهر موضع الضمير للربط إنما يفصح إذا كان المقام مقام تعظيم كما قال سيبويه فلا ينبغي حمل النظم الجليل على ذلك ، وأن يكون جزاؤه خبر مبتدأ محذوف تقديره المسؤول عنه جزاؤه فهو حكاية قول السائل ويكون { مَن وُجِدَ } الخ بياناً وشروعاً في الفتوى ، وهذا على ما قيل كما يقول من يستفتي في جزاء صيد المحرم : جزاء صيد المحرم ، ثم يقول :

{ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم } [ المائدة : 95 ] فإن قول المفتي : جزاء صيد الحرم بتقدير ما استفتيت فيه أو سألت عنه ذلك وما بعده بيان للحكم وشرح للجواب ، وليس التقدير ما أذكره جزاء صيد الحرم لأن مقام الجواب والسؤال ناب عنه . نعم إذا ابتدأ العالم بإلقاء مسألة فهنالك يناسب هذا التقدير .

وتعقب ذلك أبو حيان بأنه ليس في الإخبار عن المسؤول عنه بذلك كثير فائدة إذ قد علم أن المسؤول عنه ذلك من قولهم : { فَمَا جَزَاؤُهُ } وكذا يقال في المثل ، وأجيب بأنه يمكن أن يقال : إن فائدة ذلك إعلام المفتي المستفتي أنه قد أحاط خبره بسؤاله ليأخذ فتواه بالقبول ولا يتوقف في ذلك لظن الغفلة فيها عن تحقيق المسؤول وهي فائدة جليلة .

وزعم بعضهم أن الجملة من الخبر والمبتدأ المحذوف على معنى الاستفهام الإنكاري كأن المسؤول ينكر أن يكون المسؤول عنه ذلك لظهور جوابه ثم يعود فيجيب وهو كما ترى { كذلك } أي مثل ذلك الجزاء الأوفى { نَجْزِى الظالمين } بالسرقة ، والظاهر أن هذا من تتمة كلام الإخوة فهو تأكيد للحكم المذكور غب تأكيد وبيان لقبح السرقة وقد فعلوا ذلك ثقة بكمال براءتهم عنها وهم عما فعل بهم غافلون ، وقيل : هو من كلام أصحاب يوسف عليه السلام ، وقيل : كلامه نفسه أي مثل الجزاء الذي ذكرتموه نجزي السارقين .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالُواْ جَزَـٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَـٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} (75)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قالوا جزاؤه من وجد في رحله}، يعني في وعائه، يعني المتاع، {فهو جزاؤه}، يعني هو مكان سرقته، {كذلك نجزي الظالمين}، يعني هكذا نجزي السارقين... وكان الحكم بأرض كنعان أن يتخذ السارق عبدا يستخدم على قدر سرقته، ثم يخلى سبيله، فيذهب حيث شاء، فحكموا بأرض مصر بقضاء أرضهم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 74]

يقول تعالى ذكره: قال أصحاب يوسف لإخوته: فما ثواب السّرَق إن كنتم كاذبين في قولكم "ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ قالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ". يقول جلّ ثناؤه: وقال إخوة يوسف: ثواب السّرَق مَنْ وُجد في متاعه السّرَق فهو جزاؤه، يقول: فالذي وجد ذلك في رحله ثوابه بأن يُسْلَم بسرقته إلى من سرق منه حتى يسترقّه. "كذلكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ "يقول: كذلك نفعل بمن ظلم ففعل ما ليس له فعله من أخذه مال غيره سَرَقا...

عن معمر، قال: بلغنا في قوله: "قالُوا فمَا جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ" أخبروا يوسف بما يُحْكَم في بلادهم أنه من سَرَق أُخِذ عبدا، فقالوا: "جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ"...

ومعنى الكلام: قالوا: ثواب السّرَق الموجود في رحله، كأنه قيل: ثوابه استرقاق الموجود في رحله، ثم حذف «استرقاق»، إذ كان معروفا معناه، ثم ابتدئ الكلام فقيل: هو جزاؤه "كذلكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ"...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... قولهم هذا قول من لم يسترب بنفسه، لأنهم التزموا إرغام من وجد في رحله، وهذا أكثر من موجب شرعهم، إذ حق شرعهم أن لا يؤخذ إلا من صحت سرقته، وأمر بنيامين في السقاية كان محتملاً. لكنهم التزموا أن من وجد في رحله فهو مأخوذ على أنه سارق.

وقولهم {كذلك نجزي الظالمين}، أي هذه سنتنا وديننا في أهل السرقة: أن يتملك السارق كما تملك هو الشيء المسروق.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

وقولهم:"جزاؤه من وجد في رحله"، كلام من لم يشك أنهم برآء مما رموا به، ولاعتقادهم البراءة علقوا الحكم على وجدان الصاع لا على سرقته، فكأنهم يقولون: لا يمكن أن نسرق، ولا يمكن أن يوجد الصاع في رحالنا...

ويحتمل أن يكون التقدير جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، ثم يؤكد بقوله: فهو جزاؤه...

وهذا الوجه هو أحسن الوجوه، وأبعدها من التكلف...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمعنى أن من وجد في رحله الصوَاع هو جزاء السرقة، أي ذاته هي جزاء السرقة، فالمعنى أن ذاته تكون عِوضاً عن هذه الجريمة، أي أن يصير رفيقاً لصاحب الصواع ليتمّ معنى الجزاء بذات أخرى. وهذا معلوم من السياق إذ ليس المراد إتلاف ذات السارق لأن السرقة لا تبلغ عقوبتها حدّ القتل. فتكون جملة {فهو جزاؤه} توكيداً لفظياً لجملة {جزاؤه من وجد في رحله}، لتقرير الحكم وعدم الانفلات منه، وتكون الفاء للتفريع تفريع التأكيد على الموكّد. وقد حَكَم إخوة يوسف عليه السلام على أنفسهم بذلك وتراضوا عليه فلزمهم ما التزموه.