{ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك } ولم يقولوا سرقتموه أو سرق ، وقيل : كان الظاهر أن يبادروا بالإنكار ونفى أن يكونوا سارقين ولكنهم قالوا ذلك طلباً لإكمال الدعوى إذ يجوز أن يكون فيها ما تبطل به فلا تحتاج إلى خصام ، وعدلوا عن ماذا سرق منكم ؟ إلى ما في «النظم الجليل » لما ذكر آنفاً ، والصواع بوزن غراب المكيال وهو السقاية ولم يعبر بها مبالغة في الإفهام والإفصاح ؛ ولذا أعاد الفعل ، وصيغة المستقبل لما تقدم أو للمشاكلة .
وقرأ الحسن . وأبو حيوة . وابن جبير فيما نقل ابن عطية كما قرأ الجمهور إلا أنهم كسروا الصاد ، وقرأ أبو هريرة . ومجاهد { *صاع } بغير واو على وزن فعل فالألف فيه بدل من الواو المفتوحة . وقرأ أبو رجاء { *صوع } بوزن قوس .
وقرأ عبد الله بن عون بن أبي أرطبان { *صوع } بضم الصاد وكلها لغات في الصاع ، وهو مما يذكر ويؤنث وأبو عبيدة لم يحفظ التأنيث ، وقرأ الحسن . وابن جبير فيما نقل عنهما صاحب اللوامح ، { *صواغ } بالغين المعجمة على وزن غراب أيضاً ، وقرأ يحيى بن يعمر كذلك إلا أنه حذف الألف وسكن الواو ، وقرأ زيد بن علي { *صوغ } على أنه مصدر من صاغ يصوغ أريد به المفعول ، وكذا يراد من صواغ وصوغ في القراءتين أي نفقد مصوغ الملك { الملك وَلِمَن جَاء بِهِ } أي أتى به مطلقاً ولو من عند نفسه ، وقيل : من دل على سارقه وفضحه { حِمْلُ بَعِيرٍ } أي من الطعام جعلا له ، والحمل على ما في «مجمع البيان » بالكسر لما انفصل وبالفتح لما اتصل ، وكأنه أشار إلى ما ذكره الراغب من أن الحمل بالفتح يقال في الأثقال المحمولة في الباطن كالولد في البطن والماء في السحاب والثمرة في الشجرة { وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } أي كفيل أؤديه إليه وهو قول المؤذن .
واستدل بذلك كما في الهداية وشروحها على جواز تعليق الكفالة بالشروط لأنه مناديه علق الالتزام بالكفالة بسبب وجوب المال وهو المجىء بصواع الملك وندائه بأمر يوسف عليه السلام ، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا مضى من غير إنكار ، وأورد عليه أمران . الأول : ما قاله بعض الشافعية من أن هذه الآية محمولة على الجعالة لما يأتي به لا لبيان الكفالة فهي كقول من أبق عبده من جاء به فله عشرة دراهم وهو ليس بكفالة لأنها إنما تكون إذا التزم عن غيره وهنا قد التزم عن نفسه . الثاني : أن الآية متروكة الظاهر لأن فيها جهالة المكفول له وهي تبطل الكفالة . وأجيب عن الأول بأن الزعم حقيقة في الكفالة والعمل بها مهما أمكن واجب فكأن معناه قول المنادي للغير : إن الملك قال : لمن جاء به حمل بعير وأنابه زعيم فيكون ضامناً عن الملك لا عن نفسه فتتحقق حقيقة الكفالة .
وعن الثاني بأن في الآية ذكر أمرين الكفالة مع الحمالة للمكفول له ، وإضافتها إلى سبب الوجوب ، وعدم جواز أحدهما بدليل لا يستلزم عدم جواز الآخر .
وفي كتاب الأحكام أنه روي عن عطاء الخراساني { زَعِيمٌ } بمعنى كفيل فظن بعض الناس أن ذلك كفالة إنسان وليس كذلك لأن قائله جعل حمل بعير أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله : { وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } أي ضامن فألزم نفسه ضمان الأجرة لرد الصاع ، وهذا أصل في جواز قول القائل : من حمل هذا المتاع لموضع كذا فله درهم وأنه إجارة جائزة وإن لم يشارط رجلاً بعينه وكذا قال محمد بن الحسن في السير الكبير : ولعل حمل البعير كان قدراً معلوماً ، فلا يقال : إن الإجارة لا تصح إلا بأجر معلوم كذا ذكره بعض المحققين .
وقال الإمام : إن الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم ، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : «الزعيم غارم » وليست كفالة بشيء مجهول لأن حمل بعير من الطعام كان معلوماً عندهم فصحت الكفالة به إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهي كفالة لما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة .
ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم ، وتعقب بأنه لا دليل على أن الراد هو من علم أنه الذي سرق ليحتاج إلى التزام القول بصحة ذلك في دينهم وتمام البحث في محله .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قالوا} المنادي ومن معه لإخوة يوسف {نفقد صواع الملك} يعنى إناء الملك، وكان يكال به كفعل أهل العساكر، {ولمن جاء به حمل بعير}، يعنى وقر بعير {وأنا به زعيم} آية، يعنى به كفيل.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 71]
يقول تعالى ذكره: قال بنو يعقوب لما نودوا:"أيّتُها العِيرُ إنّكُمْ لَسارِقُونَ" وأقبلوا على المنادي ومن بحضرتهم يقولون لهم:"ماذَا تَفْقِدُونَ "ما الذي تفقدون؟
"قالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ" يقول: فقال لهم القوم: نفقد مَشْرَبَة الملك...
وقوله: "وَلِمَنْ جاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ" يقول: ولمن جاء بالصواع حمل بعير من الطعام.
"وأنا بِهِ زَعِيمٌ" يقول: وأنا بأن أوفيه حمل بعير من الطعام إذا جاءني بصواع الملك كفيل...
وأصل الزعيم في كلام العرب: القائم بأمر القوم، وكذلك الكفيل والحَمِيل، ولذلك قيل: رئيس القوم زعيمهم ومدبرهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ) أي إناء الملك؛ سماه مرة صاعا، ومرة سقاية، فيجوز أن يستعمل في الأمرين جميعا في الاستسقاء والكيل جميعا... والسقاية المكيال، وقيل: مشربة الملك، وصواع الملك وصاعه واحد.
(وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) قيل: ضمين لذلك الطعام كفيل به...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
والفقد: غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يدرى أين هو... والصواع مكيال الطعام...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} يقوله المؤذن، يريد: وأنا بحمل البعير كفيل، أُؤدّيه إلى من جاء به؛ وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{ولمن جاء به حمل بعير}، أي لمن دل على سارقه وفضحه وجبر الصواع على الملك -وهذا جعل- وقوله: {وأنا به زعيم} حمالة، وذلك أنه لما كان الطعام لا يوجد إلا عند الملك فهم من المؤذن أنه إنما جعل عن غيره، فلخوفه ألا يوثق بهذه الجعالة -إذ هي عن الغير- تحمل هو بذلك...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{قالوا نفقد} وكأن السقاية كان لها اسمان، فعبروا هنا بقولهم: {صواع الملك} والصواع: الجام يشرب فيه {ولمن جاء به} أي أظهره ورده من غير تفتيش ولا عناء {حمل بعير} وهو بالكسر: قدر من المتاع مهيأ لأن يحمل على الظهر، وأما الحمل في البطن فبالفتح {وأنا به زعيم} أي ضامن وكفيل أوديه إليه، وإفراد الضمير تارة وجمعه أخرى دليل على أن القائل واحد، وأنه نسب إلى الكل لرضاهم به، وفي الآية البيان عما يوجبه حال بهت الإنسان للتثبت في الأمر وترك الإسراع إلى ما لا يجوز من القول.
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
قال في (الإكليل): في الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جعلوا جعلا لمن يأتي بالصواع. والذي قال: {وأنا به زعيم} واحد من المقبلين وهو كبيرهم. والزعيم: الكفيل. وهذه الآية قد جعلها الفقهاء أصلاً لمشروعية الجعل والكفالة. وفيه نظر، لأن يوسف عليه السلام لم يكن يومئذٍ ذا شَرْع حتى يستأنس للأخذ ب (أنّ شَرْعَ من قَبْلنا شَرْع لنا): إذا حكاه كلام الله أو رسوله. ولو قدّر أن يوسف عليه السلام كان يومئذٍ نبيئاً فلا يثبت أنه رسول بشرع، إذ لم يثبت أنه بعث إلى قوم فرعون، ولم يكن ليوسف عليه السلام أتباع في مصر قبْل ورود أبيه وإخوتهِ وأهلِيهم. فهذا مأخذ ضعيف...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
كانت التهمة صريحة ابتداء، ثم هدأت للبحث عن المفقود، فتحايل المؤذن المتكلم باسم المصريين ليجد المفقود، وتخلى عن الاتهام الذي ابتدأه وعرض المكافأة، وتكفل بها. ولكن الاتهام الأول بالسرقة ما زال قائما...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} وهو صواعٌ مميزٌ لا يمكن أن نتسامح به، لأنه يخصّ الملك، لذا فإن الحصول عليه أمر غاية في الأهمية، ولمن يأتي به جائزةٌ كبيرة...
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.