روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ} (9)

وقوله تعالى : : { ثم صدقناهم الوعد } قيل : عطف على ما يفهم من حكاية وحيه تعالى الى المرسلين على الاستمرار التجديدي كأنه قيل أوحينا إليهم ما أوحينا ثم صدقناه الوعد الذي وعدناه في تضاعيف الوحي بإهلاك أعدائهم ، وقيل عطف على { نوحي } [ الأنبياء : 7 ] السابق بمعنى أوحينا ، وتوسيط الأمر بالسؤال وما معه اهتماماً بإلزامهم والرد عليهم ، وقال الخفاجي : هو عطف على قوله تعالى : { أرسلنا } [ الأنبياء : 7 ] وثم للتراخي الذكري أي أرسلنا رسلاً من البشر وصدقناهم ما وعدناهم فكذا محمد صلى الله عليه وسلم فاخذروا تكذيبه ومخالفته فالآيات كما تضمنت الجواب تضمنت التهديد انتهى ، وفيه تأمل ، ونصب { الوعد } على نزع الخافض والأصل صدقناهم في الوعد ومنه صدقوهم القتال وصدقني سن بكره ، وقيل : على أنه مفعول ثان وصدق قد تتعدى للمفعولين من غير توسط حرف الجر أصلاً . .

{ فأنجيناهم وَمَن نَّشَاء } أي من المؤمنين بهم كما عليه جماعة من المفسرين ، وقيل منهم ومن غيرهم ممن تستدعي الحكمة إبقاءه كمن سيؤمن هو أو بعض فروعه بالآخرة وهو السر في حماية الذين كذبوه وآذوه صلى الله عليه وسلم من عذاب الاستئصال ، ورجح ما عليه الجماعة بالمقابلة بقوله تعالى : { وَأَهْلَكْنَا المسرفين } وذلك لحمل التعريف على الاستغراق والمسرفين على الكفار مطلقا لقوله تعالى : { وَأَنَّ المسرفين هُمْ أصحاب النار } [ غافر : 43 ] النار ملازموها والمخلدون فيها ولا يخلد فيها عندنا إلا الكفار ، ومن عمم أولاً قال : المراد بالمسرفين من عدا أولئك المنجين ، والتعبير بمن نشاء دون من آمن أو من معهم مثلاً ظاهر في أن المراد بذلك المؤمنون وآخرون معهم ولا يظهر على التخصيص وجه العدول عما ذكر إلى ما في النظم الكريم والتعبير بنشاء مع أن الظاهر شئناً لحكاية الحال الماضية .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ} (9)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ثم صدقناهم الوعد} يعني: الرسل. الوعد يعني: العذاب في الدنيا إلى قومهم. {فأنجيناهم} يعني: الرسل من العذاب، {ومن نشاء} من المؤمنين {وأهلكنا المسرفين}، يقول: وعذبنا المشركين في الدنيا...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ثم صدقنا رسلنا الذين كذبتهم أممهم وسألتهم الآيات، فأتيناهم ما سألوه من ذلك ثم أقاموا على تكذيبهم إياها، وأصرّوا على جحودهم نبوّتها بعد الذي أتتهم به من آيات ربها، وعدَنا الذي وعدناهم من الهلاك على إقامتهم على الكفر بربهم بعد مجيء الآية التي سألوا...

وقوله:"فَأَنْجَيْناهُمْ" يقول تعالى ذكره: فأنجينا الرسل عند إصرار أممها على تكذيبها بعد الآيات، "وَمَنْ نَشاءُ "وهم أتباعها الذين صدّقوها وآمنوا بها. وقوله: "وأهْلَكنا المسْرِفِينَ" يقول تعالى ذكره: وأهلكنا الذين أسرفوا على أنفسهم بكفرهم بربهم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ثم قال تعالى "ثم صدقناهم الوعد "يعني الأنبياء الماضين ما وعدناهم به من النصر والنجاة، والظهور على الأعداء، وما وعدناهم به من الثواب، فأنجيناهم من أعدائهم، ومعهم من نشاء من عبادنا، وأهلكنا المسرفين على أنفسهم، بتكذيبهم للأنبياء... والمسرف: الخارج عن الحق إلى ما تباعد عنه. يقال: أسرف إسرافا إذا جاوز حد الحق وتباعد عنه.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

والمسرفون هم الكفار المفرطون في غيهم وكفرهم، وكل من ترك الإيمان فهو مفرط مسرف.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{ثم صدقناهم} بما اقتضت عظمتنا، وأكد الأمر بتعدية الفعل من غير حرف الجر فقال: {الوعد} أي بإنجائهم؛ وأشار بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم بهم وصبرهم عليهم، ثم أحل بهم سطوته، وأراهم عظمته، ولذا قال مسبباً عن ذلك: {فأنجيناهم} أي الرسل بعظمتنا، ولكون السياق لأنهم في غاية الغفلة التي نشأ عنها التكذيب البليغ الذي اقتضى تنويع القول به إلى سحر وأضغاث وافتراء وشعر، فاقتضى مقابلته بصدق الوعد منه سبحانه، عبر بالإنجاء الذي هو إقلاع من وجدة العذاب في غاية السرعة {ومن نشآء} أي من تابعيهم. إشارة إلى أن سبب الإنجاء المشيئة لا أن التصديق موجب له، لأنه لا يجب عليه سبحانه وتعالى شيء {وأهلكنا} أي بما يقتضيه الحكمة {المسرفين} كلهم الذين علمنا أن الإسراف لهم وصف لازم لا ينفكون عنه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

تلك سنة الله في اختيار الرسل. ومثلها سنته في إنجائهم ومن معهم، وإهلاك المسرفين الظالمين المكذبين:

(ثم صدقناهم الوعد، فأنجيناهم ومن نشاء، وأهلكنا المسرفين)..

فهي كذلك سنة جارية كسنة اختيارهم. وقد وعدهم الله النجاة هم والمؤمنون معهم إيمانا حقيقيا يصدقه العمل؛ فصدقهم وعده، وأهلك، الذين كانوا يسرفون عليهم، ويتجاوزون الحد معهم.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والإتيان بصيغة المستقبل في قوله تعالى {من نشاء}... هو تأميل لهم أن يؤمنوا؛ لأن من المكذبين يوم نزول هذه الآية مَن آمنوا فيما بعد إلى يوم فتح مكة.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{ثم صدقناهم الوعد} العطف ب"ثم" يفيد أنه بين الوعد وصدقه شدائد كثيرة نزلت بالأنبياء من رد وعناد واستهزاء وسخرية وإيذاء، كما قال تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنُجّي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين 110} (يوسف) فكان العطف ب"ثم" مشيرا إلى هذه الشدائد، وأنه لم يتبين صدق الوعد إلا بعد شدائد ذاقوها، ولم تهز إيمانهم، ولم توجد في قلوبهم يأسا من صدق وعد الله.

{وأهلكنا المسرفين} وهم الذين خالفوا النبيين وعاندوهم ولم يؤمنوا، وكفروا بأنعم الله، وعبر الله عنهم بالمسرفين، لأنهم أسرفوا على أنفسهم، وأوقعوها في الضلال بكفرهم برسالة الله، وإسرافهم في العناد وإيذاء المؤمنين، وإسرافهم في ضلال العقل وعدم الإذعان لأي حجة أو برهان، وإسرافهم في المعاصي، وهي إفساد، والله لا يحب المفسدين.