{ وَيَقُولُونَ ءامَنَّا بالله وبالرسول } شروع في بيان أحوال بعض من لم يشأ الله تعالى هدايته إلى صراط مستقيم وهم صنف من الكفرة الذي سبق وصف أعمالهم . أخرج ابن المنذر . وغيره عن قتادة أنها نزلت في المنافقين وروى عن الحسن نحوه ، وقيل نزلت في بشر المنافق دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا هو اليهودي إلى كعب بن الأشرف ثم تحاكما إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فحكم لليهودي فلم يرض المنافق بقضائه عليه الصلاة والسلام وقال : نتحاكم إلى عمر رضي الله تعالى عنه فلما ذهبا إليه قال له اليهودي : قضى لي النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ فقال : نعم فقال : مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل رضي الله تعالى عنه بيته وخرج بسيفه فضرب عنق ذلك المنافق حتى برد وقال : هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، وقال جبريل عليه السلام : إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمى لذلك الفاروق ، وروى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .
وقال الضحاك : نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي كرم الله تعالى وجهه خصومة في أرض فتقاسما فوقع لعلي ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة فقال المغيرة : بعني أرضك فباعهاأياه وتقابضا فقيل للمغيرة : أخذت سبخة لا ينالها الماء فقال لعلي كرم الله تعالى وجهه : اقبض أرضك فإنما اشتريتها إن رضيتها ولم أرضها فإن الماء لا ينالها فقال علي : قد اشتريت ورضيتها وقبضتها وأنت تعرف حالها لا أقبلها منك ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أما محمد فلست آتيه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي فنزلت ، وعلى هذا وما قبهل جميع الضمير لعموم الحكم أو لأن مع القائل طائفة يساعدونه ويشايعونه في تلك المقالة كما في قولهم بنو فلان قتلوا قتيلاً والقاتل واحد منهم ، وإعادة الباء للمبالغة في دعوى الإيمان وكذا التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسول وقولهم مع ذلك { وَأَطَعْنَا } أي وأطعنا الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي { ثُمَّ يتولى } أي يعرض عما يقتضيه هذا القول من قبول الحكم الشرعي عليه { فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذلك } أي من بعدما صدر عنهم من ادعاء الإيمان بالله تعالى وبالرسول صلى الله عليه وسلم والطاعة لهما ، وما في ذلك من معنى البعد للإيذان بكونه أمراً معتداً به واجب المراعاة { وَمَا أُوْلَئِكَ } إشارة إلى القائلين { مِنَ } الخ وهم المنافقون جميعهم لا إلى الفريق المتولى منهم فقط ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الكفر والفساد أي وما أولئك الذين يدعون الإيمان والطاعة ثم يتولى بعضهم الذين يشاركونهم في العقد والعمل { بالمؤمنين } أي المؤمنين حقيقة كما يعرب عنه اللام أي ليسوا بالمؤمنين المعهودين بالإخلاص والثبات عليه ، ونفي الإيمان بهذا المعنى عنهم مقتض لنفيه عن الفريق على أبلغ وجه وآكده ولذا اختير كون الإشارة إليهم ، وجوز أن تكون للفريق على أن المراد بهم فرق منافقون ، وضمير { يَقُولُونَ } للمؤمنين مطلقاً ، والحكم على أولئك الفريق بنفي الإيمان لظهور أمارة التكذيب الذي هو التولي منهم ، و { ثُمَّ } على هذا حسبما قرره الطيبي للاستبعاد كأنه قيل كيف يدخلون في زمرة المؤمنين الذين يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يعرضون ويتجاوزون عن الفريق المؤمنين ويرغبون عن تلك المقالة وهذا بعيد عن العاقل المميز ، وعلى الأول حسبما قرره أيضاً للتراخي في الرتبة إيذاناً بارتفاع درجة كفر الفريق المتولى عنهم انحطاط درجة أولئك .
وفي «الكشف » أن الكلام على تقدير كون الإشارة إلى القائلين لا إلى الفريق المتوفي وحده كالاستدراك وفيه دلاله على توغل المتولين في الكفر وأصل الكفر وشامل للطائفتين ، وأما على تقدير اختصاص الإشارة بالمتولين فائدة { ثُمَّ } استبعاد التولي بعد تلك المقالة ، وفائدة الأخبار إظهار أنهم لم يثبتوا على قولهم كأنه قيل : يقولون هذا يوجد فيهم ما يضاده فلا يكون في دليل خطابه أن غيرهم مؤمن انتهى ، وعليه فضمير { يَقُولُونَ } للمنافقين الشاملين للفريق المتولي لا للمؤمنين مطلقاً على الوجهين فتأمل .
ومن باب الإشارة :وفي قوله تعالى : { وَيِقُولُونَ امَنَّا بالله وبالرسول } [ النور : 47 ] الآيات إشارة إلى أحوال المنكرين في القلب على المشايخ وأحوال المصدقين بهم قلباً وقالباً
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ويقول المنافقون: صدّقنا بالله وبالرسول وأطعنا الله وأطعنا الرسول. "ثُمّ يَتَوَلّى فريق مِنْهُمْ "يقول: ثم تُدْبِر كلّ طائفة منهم من بعد ما قالوا هذا القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدعو إلى المحاكمة إلى غيره خصمَها. "وَما أُولَئِكَ بالمُؤْمِنِينَ" يقول: وليس قائلو هذه المقالة، يعني قوله: "آمَنّا باللّهِ وَبالرّسُولِ وأطَعْنا" بالمؤمنين، لتركهم الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عنه إذا دُعُوا إليه..
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
قيل إنها نزلت في صفة المنافقين، لأنهم يقولون بألسنتهم: آمنا بالله وصدقنا رسوله، فإذا انصرفوا إلى أصحابهم قالوا خلاف ذلك، فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ليسوا بمؤمنين على الحقيقة.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين} إشارة إلى القائلين آمنا وأطعنا. أو إلى الفريق المتولي، فمعناه على الأوّل: إعلام من الله بأنّ جميعهم منتف عنهم الإيمان لا الفريق المتولي وحده. وعلى الثاني: إعلام بأن الفريق المتولي لم يكن ما سبق لهم من الإيمان إيماناً، إنما كان ادّعاء باللسان من غير مواطأة القلب؛ لأنه لو كان صادراً عن صحة معتقد وطمأنينة نفس لم يتعقبه التولي والإعراض. والتعريف في قوله: {بالمؤمنين} دلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفت: وهم الثابتون المستقيمون على الإيمان، والموصوفون في قوله تعالى: {إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ} [الحجرات: 15].
{وما أولئك بالمؤمنين} يدل على أن الإيمان لا يكون بالقول، إذ لو كان به لما صح أن ينفي كونهم مؤمنين. وقد فعلوا ما هو إيمان في الحقيقة، فإن قيل إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون آمنا، ثم حكى عن فريق منهم التولي فكيف يصح أن يقول في جميعهم {وما أولئك بالمؤمنين} مع أن الذي تولى منهم هو البعض؟ قلنا إن قوله: {وما أولئك بالمؤمنين} راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى، وأيضا فلو رجع إلى الأول يصح ويكون معنى قوله: {ثم يتولى فريق منهم} أي يرجع هذا الفريق إلى الباقين منهم فيظهر بعضهم لبعض الرجوع عما أظهروه.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
{ثم يتولى} بالامتناع عن قبول حكمه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان إخفاء هذه الآيات عن البعض بعد بيانها أعجب من ابتداء نصبها، فكان السياق ظاهراً في أن التقدير: والله يضل من يشاء فيكفرون بالآيات والذكر الحكيم، وكان الخروج من نورها بعد التلبس بها إلى الظلام أشد غرابة، عطف على ما قدرته مما دل عليه السياق أتم دلالة قوله دليلاً شهودياً على ذلك مطوي، معجباً ممن عمي عن دلائل التوحيد التي أقامها تعالى وعددها وأوضحها بحيث صارت كما ذكر تعالى أعظم من نور الشمس: {ويقولون} أي الذين ظهر لهم نور الله، بألسنتهم فقط: {آمنا بالله} الذي أوضح لنا جلاله، وعظمته وكماله {وبالرسول} الذي علمنا كمال رسالته وعمومها بما أقام عليها من الأدلة {وأطعنا} أي أوجدنا الطاعة لله وللرسول، وعظم المخالفة بين الفعل والقول بأداة البعد فقال: {ثم يتولى} أي يرتد بإنكار القلب ويعرض عن طاعة الله ورسوله، ضلالاً منهم عن الحق {فريق منهم} أي ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة.
ولما كان ينبغي أن يكون وقوع الارتداد منهم -كما أشير إليه- في غاية البعد وإن كان في أقل زمن، أشار إليه بأداة التراخي، وأكد ذلك بقوله مثبتاً الجارّ: {من بعد ذلك} أي القول السديد الشديد المؤكد، مع الله الذي هو أكبر من كل شيء، ومع رسوله الذي هو أشرف الخلائق {وما أولئك} أي البعداء البغضاء الذين صاروا بتوليهم في محل البعد {بالمؤمنين} أي بالكاملين في الإيمان قولاً وعقداً، وإنما هم من أهل الوصف اللساني، المجرد عن المعنى الإيقاني.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك. والإسلام عقيدة متحركة...
وهؤلاء كانوا يقولون: (آمنا بالله وبالرسول وأطعنا).. يقولونها بأفواههم، ولكن مدلولها لا يتحقق في سلوكهم. فيتولون ناكصين؛ يكذبون بالأعمال ما قالوه باللسان: (وما أولئك بالمؤمنين) فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم. والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها؛ ثم يدعها ويمضي. إنما هو تكيف في النفس، وانطباع في القلب، وعمل في الواقع...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وقد أشارت الآية إلى المنافقين عامة، ثم إلى فريق منهم أظهروا عدم الرضى بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فكلا الفريقين موسوم بالنفاق، ولكن أحدهما استمر على النفاق والمواربة وفريقاً لم يلبثوا أن أظهروا الرجوع إلى الكفر بمعصية الرسول علناً. ففي قوله: {يقولون} إيماء إلى أن حظهم من الإيمان مجرد القول دون الاعتقاد كما قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخلِ الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14]. وعبر بالمضارع لإفادة تجدد ذلك منهم واستمرارهم عليه لما فيه من تكرر الكذب ونحوه من خصال النفاق.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
ومن خلال ذلك، نستطيع أن نفهم أن الإيمان ليس كلمةً، وليس موقفاً ظاهرياً، بل هو عمق فكري وروحي وعملي يتجسد في موقف وحركة والتزام. لهذا نفت الآية صفة الإيمان عن هؤلاء، لتثبتها فيما بعد للملتزمين بالخط، الثابتين عليه. وتمضي الآيات في إبراز بعض ملامح هذا الاهتزاز العملي الذي يوحي بفقدان القاعدة الفكرية للانتماء.