وقوله سبحانه : { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } جار على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي ، ونصب { قَوْلَ } على أنه خبر كان وأن مع ما في حيزها في تأويل مصدر اسمها ، ونص سيبويه في مثل ذلك على جواز العكس فيرفع { قَوْلَ } على الاسمية وينصب المصدر الحاصل من السبك على الخبرية .
وقد قرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وابن أبي إسحق : والحسن برفع { قَوْلَ } على ذلك قال الزمخشري : والنصب أقوى لأن الأولى للاسمية ما هو أوغل في التعريف وذلك هو المصدر الذي أول به أن يقولوا لأنه لا سبيل عليه لتلنكير بخلاف { قَوْلَ المؤمنين } فإنه يحتمله كما إذا اختزلت عنه الإضافة ، وقيل في وجه أعرفيته أنه لا يوصف كالضمير ، ولا يخفى أنه لا دخل له في الأعرفية ، ثم أنت تعلم أن المصدر الحاصل من سبك أن والفعل لا يجب كونه مضافاً في كل موضع ألا ترى أنهم قالوا في قوله تعالى : { مَا كَانَ هذا القرءان أَن يَفْتَرِى } [ يونس : 37 ] إنه بمعنى ما كان هذا القرآن افتراء .
وذكر أن جواز تنكيره مذهب الفارسي وهو متعين في نحو أن يقوم رجل إذ هومؤول قطعاً بقيام رجل وهو نكرة بلا ريب . وفي إرشاد العقل السليم أن النصب أقوى صناعة لكن الرفع أقعد معنى وأوفى لمقتضى المقام لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل هو الخبر فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدوث وأوفر اشتمالاً على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع ولا ريب في أن ذلك ههنا في أن مع ما في حيزها أتم وأكمل فإذن هو أحق بالخبرية ، وأما ما تفيده الإضافة من النسب المطلقة الإجمالية فحيث كانت قليلة الجدوى سهلة الحصول خارجاً وذهناً كان حقها أن تلاحظ ملاحظة مجملة وتجعل عنواناً للموضوع فالمعنى إنما كان مطلق القول الصادر عن المئمنين إذا دعوا إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم وبين خصومهم أن يقولوا سمعنا الخ أي خصوصية هذا القول المحكي عنهم لا قولاً آخر أصلاً ، وأما النصب فالمعنى عليه إنما كان قولاً للمؤمنين خصوصية قولهم { سَمِعْنَا } الخ ففيه من جهل أخص النسبتين وأبعدهما وقوعاً وحضوراً في الأذهان وأحقهما بالبيان مفروغاً عنها عنواناً للموضوع وإبراز ما هو بخلافها في معرض القصد الأصلي ما لا يخفى انتهى ، وبحث فيه بعضهم بأن مساق الآية يقتضي أن يكون قول المؤمنين سمعنا وأطعنا في مقابلة إعراض المنافقين فحيث ذم ذلك على أتم وجه ناسب أن يمدح هذا ، ولا شك أن الأنسب في مدحه الأخبار عنه لا الاخبار به فينبغي أن يجعل { أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } اسم كان و { قَوْلَ المؤمنين } خبرها وفي ذلك مدح لقولهم سمعنا وأطعنا إذ معنى كونه قول المؤمنين أنه قول لائق بهم ومن شأنهم على أن الأهم بالإفادة كون ذلك القول الخاص هو قولهم : { إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } أي قولهم المقيد بما ذكر ليظهر أتم ظهور مخالفة حال قولهم سمعنا وأطعنا وحال قول المنافقين { آمنا بالله وبالرسول وأطعنا } [ النور : 47 ] فتدبر فإنه لا يخلو عن دغدغة ، والظاهر أن المراد منه فيما سبق فكأنهم أرادوا سمعنا كلامكم وأطعنا أمركم بالذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينكم وبيننا ، وقيل المعنى قبلنا قولكم وانقدنا له وأجبنا إلى حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن عباس . ومقاتل أن المعنى سمعنا قول النبي صلى الله عليه وسلم وأطعنا أمره ، وقيل المراد من الطاعة الثبوت أو الإخلاص لتغالير ما مر وهو كما ترى .
وقرأ الجحدري . وخالد بن إلياس { لِيَحْكُمَ } بالبناء للمفعول مجاوباً لدعوا ، وكذلك قرأ أبو جعفر هنا وفيما مر ونائب الفاعل ضمير المصدر أي ليحكم هو أي الحكم ، والمعنى ليفعل الحكم كما في قوله تعالى : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ } [ سبأ : 54 ] { وَأُوْلئِكَ } إشارة إلى المؤمنين باعتبار صدور القول المذكور عنهم ، ومافيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل أي وأولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجليل { هُمُ المفلحون } أي هم الفائزون بكل مطلوب والناجون عن كل محذور .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى حكم الله وإلى حكم رسوله، "لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ "وبين خصومهم، "أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا" ما قيل لنا، "وأطَعْنا" من دعانا إلى ذلك. ولم يُعْنَ بكان في هذا الموضع الخبر عن أمر قد مضى فيقضى، ولكنه تأنيب من الله الذين أُنزلت هذه الآية بسببهم، وتأديب منه آخرين غيرهم.
وقوله: "وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ" يقول تعالى ذكره: والذين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم وبين خصومهم، أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، المفلحون: يقول: هم المنجِحون المدّركون طَلباتهم، بفعلهم ذلك، المخلدون في جنات الله.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
"أن يقولوا سمعنا وأطعنا" يحتمل قوله: "سمعنا" أي سمعنا الدعاء "وأطعنا" الأمر. ويحتمل "سمعنا": أجبنا، "وأطعنا" الأمر.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
لما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله في الحكم بينهم فيما يتنازعون فيه، فإنهم عند ذلك يعرضون عن ذلك، ولا يجيبون إليه، أخبر أن المؤمنين بخلافهم وأنهم إذا قيل لهم تعالوا "إلى الله ورسوله ليحكم بينهم "ينبغي "أن يقولوا" في الجواب عن ذلك "سمعنا وأطعنا" أي: قبلنا هذا القول وانقدنا إليه وأجبنا إلى حكم الله ورسوله.
ثم أخبر تعالى عن هؤلاء المؤمنين بأنهم "هم الفائزون" الذين فازوا بثواب الله وكريم نعمه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما نفى عنهم الإيمان الكامل بما وصفهم به، كان كأنه سئل عن حال المؤمنين فقال: {إنما كان} أي دائماً {قول المؤمنين} أي العريقين في ذلك الوصف... {إذا دعوا} أي من أي داع كان {إلى الله} أي ما أنزل الملك الذي لا كفوء له من أحكامه {ورسوله ليحكم} أي الله بما نصب من أحكامه أو الرسول صلى الله عليه وسلم بما يخاطبهم به من كلامه {بينهم} أي في حكومة من الحكومات لهم أو عليهم {أن يقولوا سمعنا} أي الدعاء {وأطعنا} أي بالإجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ولما كان التقدير: فأولئك هم المؤمنون، عطف عليه قوله: {وأولئك} أي العالو الرتبة {هم} خاصة {المفلحون} الذين تقدم في أول المؤمنون وصفهم بأنهم يدركون جميع مأمولهم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فأما المؤمنون حقا فلهم أدب غير هذا مع الله ورسوله. ولهم قول آخر إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم؛ هو القول الذي يليق بالمؤمنين؛ وينبئ عن إشراق قلوبهم بالنور: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. وأولئك هم المفلحون).. فهو السمع والطاعة بلا تردد ولا جدال ولا انحراف. السمع والطاعة المستمدان من الثقة المطلقة في أن حكم الله ورسوله هو الحكم وما عداه الهوى؛ النابعان من التسليم المطلق لله، واهب الحياة، المتصرف فيها كيف يشاء؛ ومن الاطمئنان إلى أن ما يشاءه الله للناس خير مما يشاءونه لأنفسهم. فالله الذي خلق أعلم بمن خلق.. (وأولئك هم المفلحون).. المفلحون لأن الله هو الذي يدبر أمورهم، وينظم علاقاتهم، ويحكم بينهم بعلمه وعدله...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
واعلم أن القصر المستفاد من {إنما} هنا قصر إفراد لأحد نوعي القول. فالمقصود منه الثناء على المؤمنين برسوخ إيمانهم وثبات طاعتهم في المنشط والمكره. وفيه تعريض بالمنافقين إذ يقولون كلمة الطاعة ثم ينقضونها بضدها من كلمات الإعراض والارتياب. ونظير هذه الآية في طريق قصر ب (إلاّ) قوله تعالى: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} في سورة [آل عمران: 147].
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
هذا مقال المنافقين وضعفاء الإيمان، أما مقال المؤمنين، فقد ذكره بقوله تعالت كلماته:
{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
بعد أن بين سبحانه حال المنافقين وضعاف الإيمان بين أقوال المؤمنين وأحوالهم، فقال سبحانه وتعالى عن أولئك المؤمنين: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} "إنما "للحصر وتدل على القصر، و"كان" هنا تدل على الدوام والاستمرار في الماضي والحاضر والقابل، و (قول) خبر كان وقوله تعالى: {أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ويكون مؤدى الكلام السامي، إنما كان قول المؤمنين المستمر الدائم، إذا دعوا إلى الله ورسوله، أي حكم القرآن والسنة، وهو حكم الله ورسوله هو قولهم {سمعنا} دعوة الله ورسوله ليحكم بيننا {وأطعنا} قولهما، ووحد الحكم وعاد الضمير عليهما بضمير الواحد، لأن الحكم واحد، إذا أمر الله ورسوله به نفذه ودعا إليه، ولا قول لهم سوى ذلك، بل قولهم مقصور عليه، وهم مقصورون عليه لا قول لهم غيره، فلا مرض في قلوبهم، ولا امتراء في إيمانهم، ولا هوى يتحكم فيهم فيتبعون حكم الله إن صادف أهواءهم، ويعرضون عنه إن لم يصادف هذه الأهواء فهواهم هو الذي يحكمهم، لا الحق هو الذي يحكمهم.
وقد حكم الله تعالى لهؤلاء الذين قالوا: سمعنا وأطعنا بقوله تعالى: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، أي الفائزون، وقد فازوا بالحق، لأن الحق في ذاته قوة واطمئنان وسعادة لمن ذاقه وعرفه، وهو اطمئنان النفوس واستقرارها وفازوا عند الله تعالى برضاه وهو أكبر الفوز، وأعظمه، والإشارة إلى أولئك المتصفين بالطاعة وسماع الحق والإيمان به والإذعان له، وهنا قصر واختصاص، وذلك بتعريف الطرفين أي أولئك وحدهم هم المفلحون، ولا فلاح لسواهم، وقد أكد سبحانه فلاحهم بالقصر.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
الإيمان والتسليم التام إزاء الحقّ:
لاحظنا في الآيات السابقة ردّ فعل المنافقين، الذين اسودّتْ قلوبهم، وأصبحت ظلمات في ظلمات. وكيف لم يرضخوا لحكم الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكأنَّهُم يَخَافُونَ أن يحيف الله ورسوله عليهم، فيضيع حقّهم!
أمّا الآيات موضع البحث فإنّها تشرح موقف المؤمنين إزاء حكم الله ورسوله، فتقول (إنّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا).
ما أجمل هذا التعبير المختصر والمفيد (سمعنا وأطعنا)!
وقد وردتْ كلمة «إنّما» في الآية السابقة لتحصر كلام المؤمنين في عبارة (سمعنا وأطعنا) والواقع أن حقيقة الإيمان يكمن في هاتين الكلمتين فقط.
كيف يمكن أن يرجّح شخص حكم شخص آخر على حكم الله، وهو يعتقد بأنّ الله عالم بكلّ شيء، ولا حاجة له بأحد، وهو الرحمن الرحيم؟ وكيف له أن يقوم بعمل إزاء حكم الله إلاّ السمع والطاعة؟
فما أحسن هذه الوسيلة لامتحان المؤمنين الحقيقيين ونجاحهم في الامتحان؟! لهذا تختتم الآية حديثها بالقول: (وأُولئك هم المفلحون) ولا شك في أنّ الفلاح نصيبُ الذي يسلّم أمرَه إلى الله، ويعتقد بعدله وحُكمِه في حياته المادية والمعنوية.