{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة } بيان لأحوال الكفرة بعد أحوال المؤمنين أي لا يؤمنون بها وبما فيها من الثواب على الأعمال الصالحة والعقاب على الأعمال السيئة حسبما ينطق به القرآن { زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم } القبيحة بما ركبنا فيهم من الشهوات والأماني حتى رأوها حسنة { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } يتحيرون ويترددون والاستمرار في الاشتغال بها والانهماك فيها من غير ملاحظة لما يتبعها . والفاء لترتيب المسبب على السبب . ونسبة التزيين إليه عز وجل عند الجماعة حقيقة وكذا التزيين نفسه ، وذهب الزمخشري إلى أن التزيين إما مستعار للتمتيع بطول العمر وسعة الرزق وإما حقيقة وإسناده إليه سبحانه وتعالى مجاز وهو حقيقة للشيطان كما في قوله تعالى : { زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم } [ الأنفال : 48 ] .
والمصحح لهذا المجاز إمهاله تعالى الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ، والداعي له إلى أحد الأمرين إيجاب رعاية الأصلح عليه عز وجل . ونسب إلى الحسن أن المراد بالأعمال الأعمال الحسنة وتزيينها بيان حسنها في أنفسها حالاً واستتباعها لفنون المنافع مآلاً أي زينا لهم الأعمال الحسنة فهم يترددون في الضلال والإعراض عنها .
والفاء عليه لترتيب ضد المسبب على السبب كما في قولك : وعظته فلم يتعظ ، وفيه إيذان بكمال عتوهم ومكابرتهم وتعكيسهم الأمور ، وتعقب هذا القول بأن التزيين قد ورد غالباً في غير الخير نحو قوله تعالى : { زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } [ آل عمران : 14 ] { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } [ البقرة : 212 ] { زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين } [ الأنعام : 137 ] الخ ووروده في الخير قليل نحو قوله تعالى : { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] ويبعد حمل الأعمال على الأعمال الحسنة إضافتها إلى ضميرهم وهم لم يعملوا حسنة أصلاً . وكون إضافتها إلى ذلك باعتبار أمرهم بها ، وإيجابها عليهم لا يدفع البعد .
وذكر الطيبي أنه يؤيد ما ذكر أولاً أن وزان فاتحة هذه السورة إلى ههنا وزان فاتحة البقرة فقوله تعالى : { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة } كقوله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } [ البقرة : 6 ] وقوله سبحانه : { زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم } [ النمل : 4 ] كقوله جل وعلا : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } ( البقرة ؛ 7 ) .
وقد سبق بيان وجه دلالة ذلك على مذهب الجماعة هناك وأن التركيب من باب تحقيق الخبر وأن المعنى استمرارهم على الكفر وأنهم بحيث لا يتوقع منهم الإيمان ساعة فساعة أمارة لرقم الشقاء عليهم في الأزل والختم على قلوبهم وأنه تعالى زين لهم سوء أعمالهم فهم لذلك في تيه الضلال يترددون وفي بيداء الكفر يعمهون ، ودل على هذا التأويل إيقاع لفظ المضارع في صلة الموصول والماضي في خبره وترتيب قوله تعالى : { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } بالفاء عليه ، واختصاص الخطاب بما يدل على الكبرياء والجبروت من باب تحقيق الخبر نحو قول الشاعر :
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} يعني: لا يصدقون بالبعث {زينا لهم أعمالهم} يعني: ضلالتهم {فهم يعمهون}، يعني: يترددون فيها.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: إن الذين لا يصدّقون بالدار الآخرة، وقيام الساعة، وبالمعاد إلى الله بعد الممات والثواب والعقاب "زَيّنا لَهُمْ أعمالَهُمْ "يقول: حببنا إليهم قبيح أعمالهم، وسهّلنا ذلك عليهم "فَهُمْ يَعْمَهُونَ" يقول: فهم في ضلال أعمالهم القبيحة التي زيّناها لهم يتردّدون حيارى، يحسبون أنهم يحسنون.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم} الأعمال التي هم فيها بما ركب فيهم من الشهوات والأماني...
وقوله تعالى: {فهم يعمهون} قيل: يترددون. وأصل العمه الحيرة، أي يتحيرون.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
{إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم} زين لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لِمَنْ آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وآمن بالدار الآخرة والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44].
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{إن الذين لا يؤمنون} أي يوجدون الإيمان ويجددونه {بالآخرة زينا} أي بعظمتنا التي لا يمكن دفاعها {لهم أعمالهم} أي القبيحة، حتى أعرضوا عن الخوف من عاقبتها مع ظهور قباحتها... {فهم} أي فتسبب عن ذلك أنهم {يعمهون} أي يخبطون خبط من لا بصيرة له أصلاً ويترددون في أودية الضلال، ويتمادون في ذلك، فهم كل لحظة في خبط جديد، بعمل غير سديد ولا سعيد، فإن العمه التحير والتردد كما هو حال الضال.
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
أي إن الذين لا يصدقون بالآخرة وقيام الساعة والمعاد إلى الله بعد الموت، وبالثواب والعقاب -حبّبنا إليهم قبيح أعمالهم، ومددنا لهم في غيهم، فهم في ضلالهم حيارى تائهون، يحسبون أنهم يحسنون صنعا، لا يفكرون في عقبى أمرهم، ولا ينظرون إلى ما يؤول إليه سلوكهم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وعند ذكر الآخرة يركز عليها ويؤكد في صورة التهديد والوعيد لمن لا يؤمنون بها، فيسدرون في غيهم، حتى يلاقوا مصيرهم الوخيم:
إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فيهم يعمهون. أولئك الذين لهم سوء العذاب، وهم في الآخرة هم الأخسرون..
والإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات، ويضمن القصد والاعتدال في الحياة. والذي لا يعتقد بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة أو يكبح فيها نزوة، وهو يظن أن الفرصة الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب، وهي قصيرة مهما طالت. وما تكاد تتسع لشيء من مطالب النفوس وأمانيها التي لا تنال! ثم ما الذي يمسكه حين يملك إرضاء شهواته ونزواته، وتحقيق لذاته ورغباته؛ وهو لا يحسب حساب وقفة بين يدي الله؛ ولا يتوقع ثوابا ولا عقابا يوم يقوم الأشهاد؟
ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزينا للنفس التي لا تؤمن بالآخرة، تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء. والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها، وأن تجده حسنا جميلا؛ ما لم تهتد بآيات الله ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني. فإذا هي تجد لذتها في أعمال أخرى وأشواق أخرى، تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام!
والله -سبحانه- هو الذي خلق النفس البشرية على هذا النحو؛ وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدي، مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها. ومشيئته نافذة -وفق سنته التي خلق النفس البشرية عليها- في حالتي الاهتداء والعماء. ومن ثم يقول القرآن عن الذين لا يؤمنون بالآخرة: (زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون).. فهم لم يؤمنوا بالآخرة فنفذت سنة الله في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم.. وهذا هو معنى التزيين في هذا المقام. فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء. أو فهم حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
يشير إلى حقيقة نفسية واجتماعية دل عليها الاستقراء في القديم والحديث، ألا وهي أن كل شخص ليس عنده إيمان بالآخرة، ويعتقد أن حياته تنتهي عند حلول الموت، تزداد أنانيته حدة، ويزداد شرهه شدة، إذ يخيل إليه أن ذاته هي البداية والنهاية، وأن حياته في الدنيا ليست وسيلة وإنما هي في نفسها غاية، فلا يترفع عن طرق أي باب من الأبواب، ولا يتورع عن اتخاذ أحط الوسائل وأشنع الأسباب، لاختلاس أكبر قدر ممكن من المنافع والشهوات، وانتزاعها إن لم يكن بالحيلة فعن طريق العنف والجرائم والموبقات، لأن المجتمع في تصوره القاتم عبارة عن غابة موحشة وأدغال، وكل شيء في نظره القاصر مباح وحلال، ما دامت نهاية حياته القصيرة حسبما يخيل له خياله المريض هي التفسخ والفناء والانحلال.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
أي حيارى في حياتهم. فهم يرون الملوّث نقيّاً، والقبيح حسناً...
وهذا التغير في القِيمَ، أو اضطراب المعايير في نظر الإنسان، يؤدي إلى الحيرة في متاهات الحياة... وهو من أسوأ الحالات التي تصيب الإنسان. والذي يلفت النظر أنّ «التزيين» في الآية محل البحث وفي آية أُخرى من القرآن، وهي الآية (108) من سورة الأنعام، نسب إلى الله سبحانه، مع أنّه نُسب في ثمانية مواطن إلى الشيطان، وفي عشرة أُخَر جاء بصيغ الفعل المجهول (زُيّنَ) ولو فكرنا بإمعان وأمعنا النظر، لوجدنا جميع هذه الصور كاشفة عن حقيقة واحدة! فأمّا نسبة التزيين إلى الله، فلأنّه «مسبب الأسباب» في عالم الإيجاد، وما من موجود مؤثر إلاّ ويعود تأثيره إلى الله. أجل، إنّ هذه الخاصية أوجدها الله في تكرار العمل ليتطبّع عليه الإنسان... ويتغير حسُّ التشخيص فيه دون أن تسلب المسؤولية عنه، أو أن تكون نقصاً في خلقة الله أو إيراداً عليه (لاحظوا بدقّة). وأمّا نسبة التزيين إلى الشيطان (أو هوى النفس) فلأن كلاّ منهما عامل قريب و بغير واسطة للتزيين. وأمّا مجيء التزيين بصورة الفعل المبني للمجهول، فهو إشارة إلى أنّ طبيعة العمل يقتضي أن يوجد على أثر التكرار حالة وملكة وعلاقة وعشقاً!!