روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (54)

{ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بئايات رَبّهِمْ فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ } استئناف آخر على ما ذكره بعض المحققين مسوق لتقرير ما سيق له الاستئناف الأول بتشبيه دأبهم بدأب المذكورين لكن لا بطريق التكرير المحض بل بتغيير العنوان وجعْل الدأب في الجانبين عبارة عما يلازم معناه الأول من تغيير الحال وتغيير النعمة أخذا مما نطق به قوله تعالى : { ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً } [ الأنفال : 53 ] تفسير لدأبهم الذي فعلوه من تغييرهم لحالهم ، وأشير بلفظ الرب إلى أن ذلك التغيير كان بكفران نعمه تعالى لما فيه من الدلالة على أنه مربيهم المنعهم عليهم ، وقوله سبحانه : { فأهلكناهم } تفسير لدأبهم الذي فعل بهم من تغييرهم تعالى ما بهم من نعمته جل شأنه .

وفي الاهلاك رمز إلى التغيير ولذا عبر به دون الأخذ المعبر به أولا وليس الأخذ مثله في ذلك ، ألا ترى أنه كثيراً ما يطلق الإهلاك على إخراج الشيء عن نظامه الذي هو عليه ولم نر إطلاق الأخذ على ذلك ، وقيل ؛ إنما عبر أولا بالأخذ وهنا بالإهلاك لأن جنايتهم هنا الكفران وهو يقتضي أعظم النكال والإهلاك مشير إليه ولا كذلك ما تقدم وفيه نظر ، وأما دأب قريش فمستفاد مما ذكر بحكم التشبيه فلله تعالى در التنزيل حيث اكتفى في كل من التشبيهين بتفسير أحد الطرفين ، وفي الفرائد أن هذا ليس بتكرير لأن معنى الأول حال هؤلاء كحال آل فرعون في الكفر فأخذهم وأتاهم العذاب ، ومعنى الثاني حال هؤلاء كحال آل فرعون في تغييرهم النعم وتغيير الله تعالى حالهم بسبب ذلك التغيير وهو أنه سبحانه أغرقهم بدليل ما قبله وما ذكرناه أتم تحريراً ، واعترضه العلامة الطيبي بأن النظم الكريم يأباه لأن وجه التشبيه في الأول كفرهم المترتب عليه العقاب فكذلك ينبغي أن يكون وجه في الثاني ما يفهم من قوله سبحانه : { كَذَّبُواْ } الخ لأنه مثله لأن كلا منهما جملة مبتدأة بعد تشبيه صالحة لأن تكون وجه الشبه فتحمل عليه كما في قوله تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } [ آل عمران : 59 ] وأما قوله سبحانه : { ذلك بِأَنَّ الله } [ الأنفال : 53 ] الخ فكالتعليل لحلول النكال معترض بين التشبيهين غير مختص بقوم بل هو متناول لجميع من يغير نعمة الله تعالى من الأمم السابقة واللاحقة فاختصاصه بالوجه الثاني دون الأول وايقاعه وجهاً للتشبيه مع وجوده صريحاً كما علمت بعيد عمن ذاق معرفة الفصاحتين ووقف على ترتيب النظم من الآيتين انتهى .

ولا يخفى أن هذا غير وارد على ما قدمناه عند التأمل . والقول في التفرقة بين الآيتين أن الأولى لبيان حالهم في استحقاقهم عذاب الآخرة والثانية لبيان استحقاقهم عذاب الدنيا ، أو أن المقصود أولاً تشبيه حالهم بحال المذكورين في التكذيب والمقصود ثانياً تشبيه حالهم في الاستئصال ، أو أن المراد فيما تقدم بيان أخذهم بالعذاب وهنا بيان كيفيته مما لا ينبغى أن يعول عليه .

وقال بعض الأكابر : إن قوله سبحانه : { كَدَأْبِ } في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي حتى يغيروا ما بأنفسهم تغييراً كائناً كدأب آل فرعون أي كتغييرهم على أن دأبهم عبارة عما فعلوه كما هو الأنسب بمفهوم الدأب ، وقوله تعالى : { كَذَّبُواْ } الخ تفسير له بتمامه ، وقوله سبحانه : { فأهلكناهم } الخ إخبار بترتب العقوبة عليه لا أنه من تمام تفسيره ولا ضير في توسط قوله عز شأنه : { وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ الأنفال : 53 ] بينهما سواء عطفاً أو استئنافاً ، وفيه خروج الآية عن نمط أختها بالكلية . وأيضاً لا وجه لتقييد التغيير الذي يترتب عليه تغيير الله تعالى بكونه كتغيير آل فرعون على أن كون الجار في محل النصب على أنه نعت بعيد مع وجود ذلك الفاصل وإن قلنا بجواز الفصل ، ومن أنصف علم أن بلاغة التنزيل تقتضي الوجه الأول ، والالتفات إلى نون العظمة في أهلكنا جرياً على سنن الكبرياء لتهويل الخطب ، وهذا لا ينافي النكتة التي أشرنا إليها سابقاً كما لا يخفى ، والكلام في الفاء وذكر الذنوب على طرز ما ذكرنا في نظيره ، وقوله سبحانه : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ } عطف على { أَهْلَكْنَا } وفي عطفه عليه مع اندراج مضمونه تحت مضمونه إيذان بكمال هول الاغراق وفظاعته { وَكُلٌّ } أي كل من الفرق المذكورين أو كل من هؤلاء وأولئك أو كل من آل فرعون وكفار قريش على ما قيل بناء على أن ما قبله في تشبيه دأب كفرة قريش بدأب آل فرعون صريحاً وتعييناً وأن مثله يكفي قرينة للتخصيص { كَانُواْ ظالمين } أي أنفسهم بالكفر والمعاصي ولو عمم لكان له وجه أو واضعين للكفر والتكذيب مكان الإيمان والتصديق ولذلك أصابهم ما أصابهم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (54)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال: {كدأب}، يعنى كأشباه {ءال فرعون} وقومه في الهلاك ببدر، {والذين من قبلهم}، يعنى الذين قبل آل فرعون من الأمم الخالية، {كذبوا بآيات ربهم}، يعنى بعذاب ربهم في الدنيا بأنه غير نازل بهم، {فأهلكناهم بذنوبهم}، يقول: فعذبناهم بذنوبهم في الدنيا وبكفرهم وبتكذيبهم، {وأغرقنا ءال فرعون وكل}، يعنى آل فرعون والأمم الخالية الذين كذبوا في الدنيا، {كانوا ظالمين} يعنى مشركين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: غَيّر هؤلاء المشركون بالله المقتولون ببدر، نعمة ربهم التي أنعم بها عليهم، بابتعاثه محمدا منهم وبين أظهرهم، داعيا لهم إلى الهدى، بتكذيبهم إياه وحربهم له. "كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ": كسنة آل فرعون وعادتهم، وفعلهم بموسى نبيّ الله في تكذيبهم إياه، وتصديهم لحربه وعادة من قبلهم من الأمم المكذبة رسلها وصنيعهم. "فأهْلَكْناهُمْ بِذُنُوِبهِمْ "بعضا بالرجفة، وبعضا بالخسف، وبعضا بالريح. "وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ" في اليم. "وكُلّ كانُوا ظالِمِينَ" يقول: كل هؤلاء الأمم التي أهلكناها كانوا فاعلين ما لم يكن لهم فعله من تكذيبهم رسل الله والجحود لآياته، فكذلك أهلكنا هؤلاء الذين أهلكناهم ببدر، إذ غيّروا نعمة الله عندهم بالقتل بالسيف، وأذللنا بعضهم بالإسار والسّباء.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

فإن قيل: ما فائدة تخصيص ذكر آل فرعون من بينهم؟ وما الحكمة في تكرار قوله (كدأب آل فرعون)؟ قيل: يحتمل ذكر آل فرعون لما كانوا أقرب إلى هؤلاء من غيرهم ممن كان قبلهم. وأما فائدة التكرار، والله أعلم، فهو أنه ذكر في الآية الأولى الأخذ بالذنوب والتعذيب، ولم يبين ما كان ذلك العذاب، فبين في الآية الأخرى أن ذلك العذاب هو الإهلاك والاستئصال...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

تنوَّعَتْ من آل فرعون الذنوب فَنَوَّعَ لهم العقوبة، وكذلك هؤلاء: عُوقِبوا بأنواعٍ من العقوبة لَمَّا ارتكبوا أنواعاً من الزَّلة. وفائدةُ تكرارِ ذِكْرِهم تأكيدٌ في التعريف أنه لا يهمل المُكَلَّفَ أصلاً، وإنْ أهمله حيناً ودهراً..

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ} تكرير للتأكيد. وفي قوله: {بآيات رَبّهِمْ} زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق. وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب {وَكُلٌّ كَانُواْ ظالمين} وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش كانوا ظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{وكل كانوا ظالمين} والمراد منه أنهم كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء والإيحاش، وأن الله تعالى إنما أهلكهم بسبب ظلمهم...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

فكان مبدأ تغييرهم أنهم {كذبوا بآيات ربهم} أي الذي رباهم بالنعم، فصرفوها إلى غير ما خلقت له بمقتضى تلك الآيات، فكانت ذنوبا {فأهلكناهم} أي زيادة على سلبه النعم {بذنوبهم} أي بما صرفوا بها النعم إلى غير ما خلقت له {وأغرقنا آل فرعون} لإغراقهم النعم في بحر الإنكار بنسبتها إلى فرعون حيث أقروا بإلهيته...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

...وحاصل المعنى أن ما يحفظه التاريخ من وقائع الأمم من دأبها وعاداتها في الكفر والتكذيب والظلم في الأرض، ومن عقاب الله إياها، هو جار على سنته تعالى المطردة في الأمم، ولا يظلم تعالى أحدا بسلب نعمة ولا إيقاع نقمة، وإنما عقابه لهم أثر طبيعي لكفرهم وفسادهم وظلمهم لأنفسهم هذا هو المطرد في كل الأمم في جميع الأزمنة. وأما عقاب الاستئصال بعذاب سماوي فهو خاص بمن طلبوا الآيات من الرسل وأنذرهم العذاب إذا كفروا بها ففعلوا.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

لم يظلمهم اللّه، ولا أخذهم بغير جرم اقترفوه، فليحذر المخاطبون أن يشابهوهم في الظلم، فيحل اللّه بهم من عقابه ما أحل بأولئك الفاسقين.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وعبر بالإهلاك عوض الأخذ المتقدّم ذكره ليفسّر الأخذ بأنّه آل إلى الإهلاك، وزيد الإهلاك بياناً بالنسبة إلى آل فرعون بأنّه إهلاك الغرق. وتنوين {كل} للتعويض عن المضاف إليه، أي: وكل المذكورين، أي آل فرعون والذين من قبلهم.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وعبر سبحانه في التكذيب بأنهم كذبوا بآيات ربهم، ونسبة الآيات المكذبة إلى ربهم تفيد فائدتين:

إحداهما – بيان فظاعة التكذيب؛ لأنهم كذبوا بآيات ربهم الذي خلقهم وكونهم وربهم وهو العليم بما يناسبهم من أدلة.

والثانية – أن هذه الآيات من المتفضل عليهم بنعمة الوجود والتنمية، وإعطائهم القوة التي طغوا بها.

وفي الكلام التفات من الغيب إلى الحاضر، والإسناد إلى الله تعالى، بإسناد الإهلاك إليه سبحانه وتعالى؛ لبيان تأكد الوقوع لأنه من الله تعالى القاهر فوق عباده العزيز الحكيم، وبتربية المهابة في النفس، وللتذكير بالرهبة.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ}. سواء كانوا في مواقع المسؤولية فأضلوا وضلوا، أو كانوا في القاعدة فظلموا أنفسهم باتّباع الظالمين والمستكبرين، ولم يستجيبوا لرب العالمين.