وقوله تعالى : { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } كالتتميم والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف إليهم بالكلية ، وهو معطوف على ما قبله ، وقيل : كلام مبين لمحاسنهم القولية إثر بيان محاسنهم الفعلية ، وقولهم بالنصب خبر لكان واسمها المصدر المتحصل من { ءانٍ } وما بعدها في قوله تعالى : { إِلاَّ أَن قَالُواْ } والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ما كان قولهم في ذلك المقام واشتباك أسنة الشدائد والآلام إلا أن قالوا { ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } أي صغائرنا { وَإِسْرَافَنَا في أَمْرِنَا } أي تجاوزنا عن الحد ، والمراد كبائرنا وروي ذلك عن الضحاك ، وقيل : الإسراف تجاوز في فعل ما يجب ، والذنب عام فيه وفي التقصير ، وقيل : إنه يقابل الإسراف وكلاهما مذموم ، وسيأتي في هذه السورة إن شاء الله تعالى إطلاق الذنوب على الكبائر فافهم . والظرف متعلق بما عنده أو حال منه وإنما أضافوا ذلك إلى أنفسهم مع أن الظاهر أنهم برآء من التفريط في جنب الله تعالى هضماً لأنفسهم واستقصاراً لهمهم وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم ، على أنه لا يبعد أن يراد بتلك الذنوب وذلك الإسراف ما كان ذنباً وإسرافاً على الحقيقة لكن بالنسبة إليهم ، حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقيل : أرادوا من طلب المغفرة طلب قبول أعمالهم حيث إنه لا يجب على الله تعالى شيء ، وفيه ما لا يخفى ، وقدموا الدعاء بالمغفرة على ما هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقوله سبحانه : { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } أي عند جهاد أعدائك بتقوية قلوبنا وإمدادنا بالمدد الروحاني من عندك { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } تقريباً له إلى حيز القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة . ومن الناس من قال : المراد من ثبت أقدامنا ثبتنا على دينك الحق فيكون تقديم طلب المغفرة على هذا التثبيت من باب تقديم التخلية على التحلية وتقديمهما على طلب النصرة لما تقدم ، وقيل : إنهم طلبوا الغفران أولاً ليستحقوا طلب النصر على الكافرين بترجحهم بطهارتهم عن الذنوب عليهم وهم محاطون بالذنوب ، وفي طلبهم النصر مع كثرتهم المفرطة التي دل عليها ما سبق إيذان بأنهم لا ينظرون إلى كثرتهم ولا يعوّلون عليها بل يسندون ثبات أقدامهم إلى الله تعالى ويعتقدون أن النصر منه سبحانه وتعالى ، وفي الإخبار عنهم بأنه ما كان قولهم إلا هذا دون ما فيه شائبة جزع وخور وتزلزل من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى .
وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع { قَوْلُهُمْ } على أنه الاسم والخبر { ءانٍ } وما في حيزها أي ما كان قولهم شيئاً من الأشياء إلا هذا القول المنبىء عن أحاسن المحاسن ، قال مولانا شيخ الإسلام : «وهذا كما ترى أقعد بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الإخبار بكون قولهم المطلق خصوصية قولهم المحكي عنهم مفصلاً كما تفيده قراءتهما أكثر إفادة للسامع من الإخبار بكون خصوصية قولهم المذكور قولهم لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل الخبرية هو الخبر ، فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدث وأوفر اشتمالاً على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع ، ولا يخفى أن ذلك ههنا في أن ، مع ما في حيزها أتم وأكمل ، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت سهلة الحصول خارجاً وذهناً كان حقها أن تلاحظ ملاحظة إجمالية وتجعل عنواناً للموضوع لا مقصوداً بالذات في باب البيان ، وإنما اختار الجمهور ما اختار والقاعدة صناعية هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعرف منهما أحق بالإسمية ، ولا ريب في أعرفية أن ، قالوا لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث ولأنه يشبه المضمر من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به ، وقولهم مضاف إلى مضمر وهو بمنزلة العلم فتأمل » انتهى .
وقال أبو البقاء : جعل ما بعد { إِلا } اسماً لكان ، والمصدر الصريح خبراً لها أقوى من العكس لوجهين : أحدهما : أن { أَن قَالُواْ } يشبه المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف ، والثاني : أن ما بعد { إِلا } مثبت ، والمعنى كان قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا الخ دأبهم في الدعاء ، وقال العلامة الطيبي : كأن المعنى ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول وكأن غير هذا القول مناف لحالهم ، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع { ءانٍ } مع الفعل اسما لكان ، وتحقيقه ما ذكره صاحب «الانتصاف » من أن فائدة دخول { كَانَ } المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه بتعديد جهة فعله عموماً باعتبار الكون وخصوصاً باعتبار خصوصية المقال فهو نفى مرتين ، ثم قال : فعلى هذا لو جعلت رب الجملة ( أن قالوا ) واعتمدت عليه وجعلت قولهم كالفضلة حصل لك ما قصدته ولو عكست ركبت التعسف ، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل الخبر نسياً منسياً في الوجه الثاني واعتمد على ما بعد إلا انتهى .
ومنه يعلم ما في كلام مولانا شيخ الإسلام فإنه متى أمكن اعتبار جزالة المعنى مع مراعاة القاعدة الصناعية لا يعدل عن ذلك إلى غيره لا سيما وقد صرحوا بأن جعل الاسم غير الأعرف ضعيف ، قال في «المغني » : واعلم أنهم حكموا لأن ، وإن المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير لأنه لا يوصف كما أن الضمير أيضاً كذلك فلهذا قرأت السبعة { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ الجاثية : 25 ] { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ النمل : 56 ] والرفع ضعيف كضعف الأخبار بالضمير عما دونه في التعريف انتهى ، وعلل بعضهم أعرفية المصدر المؤول بأنه لا ينكر .
/ وقد اعترضوا على كل من تعليلي ابن هشام والبعض ، أما الاعتراض على الأول فبأن كونه لا يوصف لا يقتضي تنزيله منزلة الضمير فكم اسم لا يوصف بل ولا يوصف به وليس بتلك المنزلة ؟ وأجيب بأنه جاز أن يكون في ذلك الاسم مانع من جعله بمنزلة الضمير لأن عدم المانع ليس جزءاً من المقتضى ولا شرطاً في وجوده ، وأما الاعتراض على الثاني فبأنه غير مسلم لأنه قد ينكر كما في { وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يفترى } [ يونس : 37 ] أي افتراءاً قاله الشهاب .
وأجيب بأن مراد من قال : إن المصدر المؤول لا ينكر أنه في مثل هذا الموضع لا ينكر لا أن الحرف المصدري لا يؤل بمصدر منكر أصلاً ، ويستأنس لذلك بتقييد المصدر بالمعرف في عبارة «المغني » حيث يفهم منها أن أن وإن تارة يقدران بمصدر معرف وتارة بمصدر منكر وأنهما إذا قدرا بمصدر معرف كان له حكم الضمير ، ومن هنا قال صاحب «المطلع » في معنى ذلك التعليل : إن قول المؤمنين إن اختزل عن الإضافة يبقى منكراً بخلاف { أَن قَالُواْ } ، بقي في كلام «المغني » أمور ، الأول : أن التقييد بأن وإن هل هو اتفاقي أم احترازي ؟ الذي ذهب إليه بعض المحققين الأول : احتجاجاً بأنه أطلق في الجهة السادسة من الباب الخامس ، أن الحرف المصدري وصلته في نحو ذلك معرفة فلا يقع صفة للنكرة ولم يخص بأن وإن وللذاهب إلى الثاني أن يقول فرق بين مطلق التعريف وكونه في حكم الضمير كما لا يخفى ، وابن هشام قد أخذ المطلق في المطلق وقيد المقيد بالمقيد فلا بأس بإبقاء كلا العبارتين على ما يتراءى منهما الثاني : أنه يفهم من ظاهره أن الأداتين لو قدرتا بمصدر منكر لا يكون في حكم الضمير وظاهر هذا أنه يجوز الوصف حينئذ وفيه تردد لأنه قد يقال : لا يلزم من عدم ثبوت مرتبة الضمير لذلك جواز الوصف ؛ لأن امتناع الوصف أعم من مرتبة الضمير ، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم . الثالث : أنه يفهم من كلامه أن المصدر المقدر المعرف بالإضافة سواء أضيف إلى ضمير أو غيره بمثابة الضمير ولم يصرح أحد من الأئمة بذلك لكن حيث إن ابن هشام ثقة وإمام في الفن ولم ينقل عن أئمته ما يخالفه يقبل منه ما يقول ، الرابع : أن ما حكم به من أن الرفع ضعيف كضعف الإخبار بالضمير عما دونه في التعريف بينه وبين ما ذهب إليه ابن مالك من جواز الإخبار بالمعرفة عن النكرة المحضة في باب النواسخ بون عظيم ، ويؤيد كلام ابن مالك قوله تعالى : { فَإِنَّ حَسْبَكَ الله } [ الأنفال : 62 ] وكأنه لتحقيق هذا المقام ولما أشرنا إليه أولاً في تحقيق معنى الآية قال المولى قدس سره : فتأمل فتأمل .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } استر لنا وجوداتنا بإفاضة أنوار الوجود الحقيقي علينا { وَإِسْرَافَنَا في أَمْرِنَا } أي تجاوزنا حدود ظاهر الشريعة عند صدمات التجليات { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } في مواطن حروب أنفسنا { وانصرنا } بتأييدك وإمدادك { عَلَى القوم الكافرين } [ آل عمران : 147 ] الساترين لربوبيتك .
ثم ذكر قولهم واستنصارهم لربهم ، فقال : { وما كان قولهم } أي : في تلك المواطن الصعبة { إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } والإسراف : هو مجاوزة الحد إلى ما حرم ، علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان ، وأن التخلي منها من أسباب النصر ، فسألوا ربهم مغفرتها .
ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به من الصبر ، بل اعتمدوا على الله ، وسألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين ، وأن ينصرهم عليهم ، فجمعوا بين الصبر وترك ضده ، والتوبة والاستغفار ، والاستنصار بربهم ،
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وما كان قولهم} عند قتل أنبيائهم {إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا}، يعني الخطايا الكبار في أعمالنا، {وثبت أقدامنا} عند اللقاء حتى لا تزل، {وانصرنا على القوم الكافرين}، أفلا تقولون كما قالوا، وتقاتلون كما قاتلوا، فتدركون من الثواب في الدنيا والآخرة مثل ما أدركوا. فذلك قوله عز وجل: {فآتاهم الله ثواب الدنيا}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني تعالى ذكره بقوله: {وَما كانَ قَوْلَهُمْ}: وما كان قول الربيين. والهاء والميم من ذكر أسماء الربيين. {إلاّ أنْ قالُوا} يعني ما كان لهم قول سوى هذا القول إذ قتل نبيهم. وقوله: {رَبّنا اغْفِرْ لنا ذُنُوبَنا} يقول: لم يعتصموا إذ قتل نبيهم إلا بالصبر على ما أصابهم، ومجاهدة عدوّهم، وبمسألة ربهم المغفرة والنصر على عدوّهم. ومعنى الكلام: {وَما كانَ قَوْلَهُمْ إلاّ أنْ قالُوا رَبّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا}. وأما الإسراف: فإنه الإفراط في الشيء، يقال منه: أسرف فلان في هذا الأمر إذا تجاوز مقداره فأفرط، ومعناه ههنا: اغفر لنا ذنوبنا الصغار منها وما أسرفنا فيه منها فتخطينا إلى العظام. وكان معنى الكلام: اغفر لنا ذنوبنا، الصغائر منها والكبائر... وأما قوله: {وَثَبّتْ أقْدَامَنا} فإنه يقول: اجعلنا ممن يثبت لحرب عدوّك وقتالهم، ولا تجعلنا ممن ينهزم فيفرّ منهم، ولا يثبت قدمه في مكان واحد لحربهم. {وَانْصُرْنا على القَوْمِ الكافِرِينَ} يقول: وانصرنا على الذين جحدوا وحدانيتك ونبوّة نبيك. وإنما هذا تأنيب من الله عزّ وجلّ عباده الذين فرّوا عن العدوّ يوم أحد وتركوا قتالهم، وتأديب لهم، يقول الله عزّ وجلّ: هلا فعلتم إذ قيل لكم: قتل نبيكم، كما فعل هؤلاء الربيون، الذين كانوا قبلكم من أتباع الأنبياء، إذ قتلت أنبياؤهم، فصبرتم لعدوكم صبرهم، ولم تضعفوا وتستكينوا لعدوكم، فتحاولوا الارتداد على أعقابكم، كما لم يضعف هؤلاء الربيون ولم يستكينوا لعدوّهم، وسألتم ربكم النصر والظفر كما سألوا، فينصركم الله عليهم كما نصروا، فإن الله يحبّ من صبر لأمره وعلى جهاد عدوّه، فيعطيه النصر والظفر على عدوّه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وقوله تعالى: {وإسرافنا في أمرنا} والإسراف هو: المجاوزة في الحد والتعدي عن أمره، وقيل: هما واحد.
وقوله تعالى: {وثبت أقدامنا} يحتمل وجهين: ثبتنا على الإيمان ودين الإسلام والقدم، كناية كقوله: {فتزل قدم بعد ثبوتها} (النحل 94) أي تكفر بعد الإيمان كقوله: {يردوكم على أعقابكم} (آل عمران149) وذكر القدم لما بالقدم يثبت، ويحتمل قوله: {وثبت أقدمنا} في قتال العدو لما فزعوا إلى الله عز وجل بعد ذهاب نبيهم ليحفظهم على ما كان يحفظهم في حياة نبيهم...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
هذا إخبار عن الربيين الذين ذكرهم في الآية الأولى بأنهم كانوا يقولون في أكثر أحوالهم "ربنا اغفر لنا ذنوبنا "لآن من المعلوم أنهم قد كانوا يقولون أقوالا غير هذا، لكن لما كان هذا هو الأكثر لم يعتد بذلك. وقيل: معناه: وما كان قولهم حين قتل نبيهم إلا هذا القول انقطاعا إلى الله وطلبا لمغفرته... وقوله: "وثبت أقدامنا" أي أعنا والطف لنا بما تثبت معه أقدامنا وإن كان ثبوت القدم من فعل العباد، لكن لما كان بلطفه ومعونته جاز نسبته إليه مجازا.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ} هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين، هضما لها واستقصاراً. والدعاء بالاستغفار منها مقدّما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدوّ، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع، وأقرب إلى الاستجابة.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه الآية في ذكر الربيين، أي هذا كان قولهم، لا ما قاله بعضكم يا أصحاب محمد، من قول من قال: نأخذ أماناً من أبي سفيان ومن قول من قال: نرجع إلى ديننا الأول، ومن قول من فر، فلا شك أن قوله مناسب لفعله ولو بعض المناسبة، إلى غير ذلك مما اقتضته تلك الحال من الأقوال... واستغفار هؤلاء القوم الممدوحين في هذا الموطن ينحو إلى أنهم رأوا ما نزل من مصائب الدنيا إنما هو بذنوب من البشر وقوله تعالى: {ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} عبارتان عن معنى قريب بعضه من بعض، جاء ذلك للتأكيد ولتعم مناحي الذنوب...
بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع بطلب الإمداد والإعانة من الله، والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل، ومن اعتصم بالله فاز بالمطلوب، قال القاضي: إنما قدموا قولهم: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين، فإذا لم تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء العدو، دل ذلك ظاهرا على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة، فبين تعالى أنهم بدأوا بالتوبة عن كل المعاصي وهو المراد بقوله: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} فدخل فيه كل الذنوب، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر، ثم إنهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله: {وإسرافنا في أمرنا} لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه، قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] وقال: {فلا يسرف في القتل} وقال: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا} ويقال: فلان مسرف إذا كان مكثرا في النفقة وغيرها، ثم إنهم لما فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم، وذلك بإزالة الخوف عن قلوبهم، وإزالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم الكافرين، لأن هذه النصرة لا بد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم، وهو كالرعب الذي يلقيه في قلوبهم، وإحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم، مثل هبوب رياح تثير الغبار في وجوههم، ومثل جريان سيل في موضع وقوفهم، ثم قال القاضي: وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
وثبوت القدم في الحرب لا يكون إلا من ثبوت صاحبها في الدين. وكثيراً ما جاءت هذه اللفظة دائرة في الحرب ومع النصرة كقوله: {أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا} {إِن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} وقيل: اغفر لنا ذنوبنا في المخالفة، وإسرافنا في الهزيمة، وثبت أقدامنا بالمصابرة، وانصرنا على القوم الكافرين بالمجاهدة.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما أثنى سبحانه وتعالى على فعلهم أتبعه قولهم فقال: {وما كان} أي شيء من القول {قولهم} أي بسبب ذلك الأمر الذي دهمهم {إلا أن قالوا} أي وهم يجتهدون في نصر دين الله ناسبين الخذلان إلى أنفسهم بتعاطي أسبابه {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} أي التي استوجبنا بها الخذلان {وإسرافنا في أمرنا} هضماً لأنفسهم، فمع كونهم ربانيين مجتهدين نسبوا ما أصابهم إلى ذنوبهم، فافعلو أنتم فعلهم لتنالوا من الكرامة ما نالوا، كما أشار لكم سبحانه وتعالى إلى ذلك قبل الأخذ في قص القصة عندما وصف به المتقين من قوله: {أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135]. ولما دعوا بمحو ما أوجب الخذلان دعوا بثمرة المحو فقالوا: {وثبت أقدامنا} إشارة إلى أن الرعب من نتائج الذنب، والثبات من ثمرات الطاعة -إنما تقاتلون الناس بأعمالكم- ثم أشاروا إلى أن قتالهم لهم إنما هو لله، لا لحظ من حظوظ النفس أصلاً بقوله: {وانصرنا على القوم الكافرين}...
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} كالتتميم والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف إليهم بالكلية، وهو معطوف على ما قبله...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
أي ما كان لهم من قول في تلك الحال التي اعتصموا فيها بالصبر والثبات، وعزة النفس، وشدة البأس، إلا ذلك القول المنبئ عن قوة إيمانهم، وصدق إرادتهم، وهو الدعاء بأن يغفر الله لهم بجهادهم ما كانوا ألموا به من الذنوب والتقصير في إقامة السنن، أو الوقوف عند ما حددته الشرائع، {وإسرافنا في أمرنا} بالغلو فيه، وتجاوز الحدود التي حددتها السنن له {وثبت أقدامنا} على الصراط المستقيم الذي هديتنا إليه حتى لا تزحزحنا عنه الفتن، وفي موقف القتال، حتى لا يعرونا الفشل {وانصرنا على القوم الكافرين} بك، الجاحدين لآياتك، المعتدين على أهل دينك، فلا يشكرون لك نعمة بالتوحيد والتنزيه، ولا بفعل المعروف وترك المنكر، ولا يمكنون أهل الحق من إقامة ميزان القسط، فإن النصر بيدك، تؤتيه من تشاء بمقتضى سننك، ومنها أن الذنوب، والإسراف في الأمور، من أسباب البلاء والخذلان، وأن الطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح. ولذلك سألوا الله أن يمحو من نفوسهم أثر كل ذنب وإسراف. وأن يوفقهم إلى دوام الثبات. ولا شك أن الدعاء والتوجه إلى الله تعالى في مثل هذه الحال مما يزيد المؤمن المجاهد قوة وعزيمة ومصابرة للشدائد. ولذلك يعترف علماء النفس والأخلاق بأن المؤمنين أشد صبرا وثباتا في القتال من الجاحدين كما تقدم في تفسير {ولما برزوا لجالوت} [البقرة: 250]...
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
في هذا إيماء إلى أن الذنوب و الإسراف في الأمور من عوامل الخذلان و الطاعة و الثبات و الاستقامة من أسباب النصر و الفلاح و من ثم سألوا ربهم أن يمحو من نفوسهم إثر الذنوب و أن يوفقهم إلى دوام الثبات تزل الأقدام و قد قدموا طلب المغفرة من الذنوب على طلب النصر ليكون الدعاء في حيز القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع و الطاعة الصادر عن زكاء و طهارة إلى الاستجابة. و في طلبهم النصر من الله من كثرة عددهم التي دل عليها قوله: ربيون كثير} إعلام بأنهم لا يعولون على كثرة العدد بل يطلبون العون و المدد الروحاني من الله بثبات الأقدام و التمسك بأهداب الحق.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وإلى هنا كان السياق قد رسم الصورة الظاهرة لهؤلاء المؤمنين في موقفهم من الشدة والابتلاء. فهو يمضي بعدها ليرسم الصورة الباطنة لنفوسهم ومشاعرهم. صورة الأدب في حق الله، وهم يواجهون الهول الذي يذهل النفوس، ويقيدها بالخطر الراهق لا تتعداه. ولكنه لا يذهل نفوس المؤمنين عن التوجه إلى الله.. لا لتطلب النصر أول ما تطلب -وهو ما يتبادر عادة إلى النفوس- ولكن لتطلب العفو والمغفرة، ولتعترف بالذنب والخطيئة، قبل أن تطلب الثبات والنصر على الأعداء: (وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين).. إنهم لم يطلبوا نعمة ولا ثراء. بل لم يطلبوا ثوابا ولا جزاء.. لم يطلبوا ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة. لقد كانوا أكثر أدبا مع الله، وهم يتوجهون إليه، بينما هم يقاتلون في سبيله. فلم يطلبوا منه -سبحانه- إلا غفران الذنوب، وتثبيت الأقدام.. والنصر على الكفار. فحتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم إنما يطلبونه هزيمة للكفر وعقوبة للكفار.. إنه الأدب اللائق بالمؤمنين في حق الله الكريم.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الآية عطف على {فما وهنوا} لأنَّه لمّا وصفهم برباطة الجأش، وثبات القلب، وصفهم بعد ذلك بما يدلّ على الثبات من أقوال اللِّسان الَّتي تجري عليه عند الاضطراب والجزع، أي أنّ ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردّد في صدق وعد الله، ولا بَدَر منهم تذمّر، بل علموا أنّ ذلك لحكمة يعلمها سبحانه، أو لعلَّه كان جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه، أو في الوفاء بأمانة التكليف... فقصر قولهم في تلك الحالة الَّتي يندر فيها صدور مثل هذا القول، على قولهم: {ربنا اغفر لنا} إلى آخره، فصيغة القصر في قوله: {وما كان قولهم إلا أن قالوا} قصر إضافي لردّ اعتقاد من قد يتوهمّ أنَّهم قالوا أقوالاً تنبئ عن الجزع، أو الهلع، أو الشكّ في النَّصر، أو الاستسلام للكفار... والمراد من الذنوب جميعها... ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسْراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال، والاستعداد له، أو الحذر من العدوّ، وهذا الظاهر من كلمة أمْر، بأن يكونوا شكُّوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوّهم ناشئاً عن سببين: باطنٍ وظاهر، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب، والظاهرُ هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر...
فكأن ما حدث نتيجة لذنب تقدم ففطنوا إلى السبب، كان المفروض أنهم في معركة، وهذه المعركة أجهدتهم وأنهكتهم، صحيح أنهم لم يضعفوا، وكان المفروض أن يقولوا:"يارب انصرنا أولا" لا. بل قالوا: لا بد أن نعرف السبب في النكسة الأولى، السبب في هذه النكسة أن الله لم يسلمني إلى نفس إلا لأني نسيته.
{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا}، {ربَّنَا}، وانظر لكلمة النداء في {ربَّنَا}، كان يمكن أن يقولوا: يا ألله إنما جاءوا بكلمة "ربنا "لماذا؟ لأن علاقة العبد بالربوبية هي قبل علاقته بالألوهية، فالألوهية مكلفة، فمعنى "إله" أي: معبود، وما دام معبودا فله تكليف يطاع فيه، وهذا التكليف يأتي بعد ذلك، هو سبحانه له ربوبيته في الخلق. قبل أن يكلفهم، وما دام الرب هو الذي يتولى التربية، فالأولى أن يقولوا: يارب، إذن قولهم: "ربنا" يعني أنت متولي أمورنا، أنت الذي تربينا...