روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{۞فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (26)

{ فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } أي صدقه عليه السلام في جميع مقالاته أو بنبوته حين ادعاها لا أنه صدقه فيما دعا إليه من التوحيد ولم يكن كذلك قبل ، فإنه عليه السلام كان متنزهاً عن الكفر ، وما قيل : إنه آمن له عليه السلام حين رأى النار لم تحرقه ضعيف رواية وكذا دراية ، لأنه بظاهره يقتضي عدم إيمانه قبل وهو غير لائق به عليه السلام ، وحمله بعضهم على نحو ما ذكرنا أو على أن يرادب الإيمان الرتبة العالية منها وهي التي لا يرتقي إليها إلا الأفراد ، ولوط على ما في «جامع الأصول » ابن أخيه هاران بن تارح ، وذكر بعضهم أنه ابن أخته بالتاء الفوقية { وَقَالَ } إبراهيم عليه السلام : كما ذهب إليه قتادة . والنخعي ، وقيل : الضمير للوط عليه السلام وليس بشيء لما يلزم عليه من التفكيك ، والجملة استئناف بياني كأنه قيل : فماذا كان منه عليه السلام ؟ فقيل : قال { إِنّى مُهَاجِرٌ } أي من قومي { إلى رَبّى } أي إلى الجهة التي أمرني ربي بالهجرة إليها ، وقيل : إلى حيث لا أمنع عبادة ربي ، وقيل : المعنى مهاجر من خالفني من قومي متقرباً إلى ربي { أَنَّهُ } عز وجل { هُوَ العزيز } الغالب على أمره فيمنعني من أعدائي { الحكيم } الذي لا يفعل فعلاً إلا وفيه حكمة ومصلحة فلا يأمرني إلا بما فيه صلاحي .

روي أنه عليه السلام هاجر من كوثى من سواد الكوفة مع لوطاً وسارة ابنة عمه إلى حران ، ثم منها إلى الشام فنزل قرية من أرض فلسطين ، ونزل لوط سذوم وهي المؤتفكة على مسيرة يوم وليلة من قرية إبراهيم عليهما السلام ، وكان عمره إذ ذاك على ما في «الكشاف » و «البحر » خمساً وسبعين سنة ، وهو أول من هاجر في الله تعالى .

ومن باب الإشارة : { وَقَالَ إِنّي مُهَاجِرٌ إلى رَبّى } [ العنكبوت : 6 2 ] أي مهاجر من نفسي ومن الكون إليه عز وجل ، وقال ابن عطاء : أي راجع إلى ربي من جميع مالي وعلي ، والرجوع إليه عز وجل بالانفصال عما دونه سبحانه ، ولا يصح لأحد الرجوع إليه تعالى وهو متعلق بشيء من الكون بل لا بد أن ينفصل من الأكوان أجمع