التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

جملة { إنّي توكلت } تعليل لمضمون { فكيدوني } وهو التعجيز والاحتقار . يعني : أنه واثق بعجزهم عن كيده لأنه متوكل على الله ، فهذا معنى ديني قديم .

وأُجري على اسم الجلالة صفة الربوبية استدلالاً على صحة التوكل عليه في دفع ضرهم عنه ، لأنه مالكهم جميعاً يدفع ظلم بعضهم بعضاً .

وجملة { ما من دابة إلاّ هو آخذ بناصيتها } في محل صفة لاسم الجلالة ، أو حال منه ، والغرض منها مثل الغرض من صفة الربوبية .

والأخذ : الإمساك .

والناصية : ما انسدل على الجبهة من شعر الرأس . والأخذ بالناصية هنا تمثيل للتمكّن ، تشبيهاً بهيئة إمساك الإنسان من ناصيته حيث يكون رأسه بيد آخذه فلا يستطيع انفلاتاً .

وإنما كان تمثيلاً لأن دواب كثيرة لا نواصي لها فلا يلتئم الأخذ بالناصية مع عموم { ما من دابة } ، ولكنه لما صار مثلاً صار بمنزلة : ما من دابة إلا هو متصرف فيها . ومن بديع هذا المثل أنّه أشدّ اختصاصاً بالنوع المقصود من بين عموم الدّواب ، وهو نوع الإنسان . والمقصود من ذلك أنّه المالك القاهر لجميع ما يدبّ على الأرض ، فكونه مالكاً للكلّ يقتضي أن لا يفوته أحد منهم ، وكونه قاهراً لهم يقتضي أن لا يعجزه أحد منهم .

وجملة { إن ربّي على صراط مستقيم } تعليل لجملة { إنّي توكّلت على الله } ، أي توكّلت عليه لأنّه أهل لتوكلي عليه ، لأنّه متّصف بإجراء أفعاله على طريق العدل والتأييد لرسله .

و { على } للاستعلاء المجازي ، مثل { أولئك على هدىً من ربهم } [ البقرة : 5 ] مستعارة للتمكّن المعنوي ، وهو الاتّصاف الراسخ الذي لا يتغير .

والصراط المستقيم مستعار للفعل الجاري على مقتضى العدل والحكمة لأنّ العدل يشبّه بالاستقامة والسواء . قال تعالى : { فاتبعني أهدك صراطاً سويّاً } [ مريم : 43 ] . فلا جرم لا يُسْلم المتوكّل عليه للظّالمين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

قوله تعالى : " إني توكلت على الله ربي وربكم " أي رضيت بحكمه ، ووثقت بنصره . " ما من دابة " أي نفس تدب على الأرض ، وهو في موضع رفع بالابتداء . " إلا هو آخذ بناصيتها " أي يصرفها كيف يشاء ، ويمنعها مما يشاء ، أي فلا تصلون إلى ضري . وكل ما فيه روح يقال له دابّ ودابّة ، والهاء للمبالغة . وقال الفراء : مالكها ، والقادر عليها . وقال القتبي : قاهرها ؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته . وقال الضحاك : يحييها ثم يميتها ، والمعنى متقارب . والناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس . ونصوتُ الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته . قال ابن جريج : إنما خص الناصية ؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع ، فيقولون . ما ناصية فلان إلا بيد فلان ، أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء . وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرا عليه ، فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم . وقال الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " " ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها " وجهه عندنا أن الله تعالى قدر مقادير أعمال العباد ، ثم نظر إليها ، ثم خلق خلقه ، وقد نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم ، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور أخذ بنواصيهم ، يجريهم إلى أعمالهم المقدرة عليهم يوم المقادير . وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) . ولهذا قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي ، وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال ، فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم في العزم ، ولذلك ما قوي هود النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال : " فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها " وإنما سميت ناصية ؛ لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير ، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة ، ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين عينيه ، فسمي ذلك الموضع منه ناصية ؛ لأنها تنص حركات العباد بما قدر ، فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها ووصف ناصية أبي جهل فقال : " ناصية كاذبة خاطئة " {[8732]} [ العلق : 16 ] يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة ، فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ . والله أعلم . {[8733]}

" إن ربي على صراط مستقيم " قال النحاس : الصراط في اللغة المنهاج الواضح ، والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شيء فإنه لا يأخذهم إلا بالحق . وقيل : معناه لا خلل في تدبيره ، ولا تفاوت في خلقه سبحانه .


[8732]:راجع ج 20 ص 124.
[8733]:من ع.