التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ} (52)

جملة { قال إنا منكم وجلون } جاءت مفصولة بدون عطف لأنها جواب عن جملة { فقالوا سلاماً } . وقد طوي ذكر رده السلام عليهم إيجازاً لظهوره . صُرح به في قوله : { قال سلام قوم منكرون } [ سورة الذاريات : 25 ] ، أي قال إنا منكم وجلون بعد أن رد السلام . وفي سورة هود أنه أوجس منهم خِيفة حين رآهم لم يمدّوا أيديهم للأكل .

وضمير { إنا } من كلام إبراهيم عليه السلام فهو يعني به نفسه وأهله ، لأن الضيف طرقوا بيتهم في غير وقت طروق الضيف فظنّهم يريدون به شراً ، فلما سلموا عليه فاتحهم بطلب الأمْن ، فقال : { إنا منكم وجلون } ، أي أخفتمونا . وفي سورة الذاريات أنه قال لهم : { قوم منكرون } [ سورة الحجر : 25 ] .

والوجِل : الخائف . والوجَل بفتح الجيم الخوف . ووقع في سورة هود ( 70 ) { نكِرهم وأوجس مِنهم خِيفة } وقد جُمع في هذه الآية متفرق كلام الملائكة ، فاقتصر على مجاوبتهم إياه عن قوله : { إنا منكم وجلون } ، فنِهاية الجواب هو { لا توجل } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ} (52)

قوله تعالى : " ونبئهم عن ضيف إبراهيم " ضيف إبراهيم : الملائكة الذين بشروه بالولد وبهلاك قوم لوط . وقد تقدم ذكرهم{[9695]} . وكان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان ، وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد . وسمي الضيف ضيفا لإضافته إليك ونزوله عليك . وقد مضى من حكم الضيف في " هود{[9696]} " ما يكفي والحمد لله . " إذ دخلوا عليه " جمع الخبر ؛ لأن الضيف اسم يصلح للواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث كالمصدر . ضافه وأضافه أماله ، ومنه الحديث ( حين تضيف الشمس للغروب ) ، وضيفوفة{[9697]} السهم ، والإضافة النحوية . " فقالوا سلاما " أي سلموا سلاما . " قال إنا منكم وجلون " أي فزعون خائفون ، وإنما قال هذا بعد أن قرب العجل ورآهم لا يأكلون ، على ما تقدم في هود . وقيل : أنكر السلام ولم يكن في بلادهم رسم السلام . " قالوا لا توجل " أي قالت الملائكة لا تخف . " إنا نبشرك بغلام عليم " أي حليم{[9698]} ، قاله مقاتل . وقال الجمهور : عالم . وهو إسحاق . " قال أبشرتموني على أن مسني الكبر " " أن " مصدرية ، أي علي مس الكبر إياي وزوجتي ، وقد تقدم في هود وإبراهيم{[9699]} ، حيث يقول : " فبم تبشرون " استفهام تعجب . وقيل : استفهام حقيقي . وقرأ الحسن " توجل " بضم التاء . والأعمش " بشرتموني " بغير ألف ، ونافع وشيبة " تبشرون " بكسر النون والتخفيف ؛ مثل ، " أتحاجوني " وقد تقدم تعليله{[9700]} . وقرأ ابن كثير وابن محيصن " تبشرون " بكسر النون مشددة ، تقديره تبشرونني ، فأدغم النون في النون . الباقون " تبشرون " بنصب النون بغير إضافة .


[9695]:راجع ج 9 ص62، ص 64 فما بعد، ص 375.
[9696]:راجع ج 9 ص62، ص 64 فما بعد، ص 375.
[9697]:ضاف السهم: عدل عن الهدف أو الرمية.
[9698]:في ي: حكيم.
[9699]:راجع ج 9 ص62، ص 64 فما بعد، ص 375.
[9700]:راجع ج 7 ص 28.