التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا} (43)

قوله : { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } موعظة وتنبيه على جزاء قوله : { وأعز نفراً } [ الكهف : 34 ] .

والفئة : الجماعة . وجملة { ينصرونه } صفة ، أي لم تكن له فئة هذه صفتها ، فإن فئته لم تغن عنه من عذاب الله .

وقوله : { وما كان منتصراً } أي ولا يكون له انتصار وتخلص من العذاب .

وقرأه الجمهور { ولم تكن } بمثناة فوقية اعتداداً بتأنيث { فئة } في اللفظ . وقرأه حمزة والكسائي وخلف « يكن » بالياء التحتية . والوجهان جائزان في الفعل إذا رفَع ما ليس بتحقيقي التأنيث .

وأحاط به هذا العقاب لا لمجرد الكفر ، لأن الله قد يمتع كافرين كثيرين طول حياتهم ويملي لهم ويسْتدرجهم . وإنما أحاط به هذا العقاب جزاء على طغيانه وجعله ثروته وماله وسيلة إلى احتقار المؤمن الفقير ، فإنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى التكذيب بوعد الله استحق عقاب الله بسلب تلك النعم عنه كما سلبت النعمة عن قارون حين قال : { إنما أوتيته على علم عندي } [ القصص : 78 ] . وبهذا كان هذا المثل موضع العبرة للمشركين الذين جعلوا النعمة وسيلة للترفع عن مجالس الدعوة لأنها تجمع قوماً يرونهم أحط منهم وطلبوا من النبي طردهم عن مجلسه كما تقدم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا} (43)

قوله تعالى : " ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله " " فئة " اسم " تكن " و " له " الخبر . " ينصرونه " في موضع الصفة ، أي فئة ناصرة . ويجوز أن يكون " ينصرونه " الخبر . والوجه الأول عند سيبويه أولى لأنه قد تقدم " له " . وأبو العباس يخالفه ، ويحتج بقول الله عز وجل " ولم يكن له كفوا أحد{[10545]} " [ الإخلاص : 4 ] . وقد أجاز سيبويه الآخر . و " ينصرونه " على معنى فئة ؛ لأن معناها أقوام ، ولو كان على اللفظ لقال ولم تكن له فئة تنصره ؛ أي فرقة وجماعة يلتجئ إليهم .

قوله تعالى : " وما كان منتصرا " أي ممتنعا ، قاله قتادة . وقيل : مستردا بدل ما ذهب منه . وقد تقدم اشتقاق الفئة في " آل عمران{[10546]} " . والهاء عوض من الياء التي نقصت من وسطه ، أصله فِيءٌ مثل فِيع ؛ لأنه من فاء ، ويجمع على فِئُون وفئات ، مثل شيات ولدات ومئات . أي لم تكن له عشيرة يمنعونه من عذاب الله ، وضل عنه من افتخر بهم من الخدم والولد .


[10545]:راجع جـ 20 ص 244 فما بعد.
[10546]:راجع جـ 4 ص 24.