كان أعظم حائل بين المشركين وبين النظر في أدلة الإسلام انهماكهم في الإقبال على الحياة الزائلة ونعيمها ، والغرور الذي غر طغاة أهل الشرك وصرفهم عن إعمال عقولهم في فهم أدلة التوحيد والبعث كما قال تعالى : { وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا } [ المزمل : 11 ] ، وقال : { أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } [ القلم : 14 15 ] .
وكانوا يحسبون هذا العالم غير آيل إلى الفناء { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } [ الجاثية : 24 ] . وما كان أحد الرجلين اللذين تقدمت قصتهما إلا واحداً من المشركين إذ قال : { وما أظن الساعة قائمة } [ الكهف : 36 ] .
فأمر الله رسوله بأن يضرب لهم مثل الحياة الدنيا التي غرتهم بهجتها .
والحياة الدنيا : تطلق على مدة بقاء الأنواع الحية على الأرض وبقاء الأرض على حالتها . فإطلاق اسم الحياة الدنيا } على تلك المدة لأنها مدة الحياة الناقصة غير الأبدية لأنها مقدر زوالها ، فهي دُنيا .
وتطلق الحياة الدنيا على مدة حياة الأفراد ، أي حياة كل أحد . ووصفُها ب ( الدنيا ) بمعنى القريبة ، أي الحاضرة غير المنتظرة ، كنى عن الحضور بالقرب ، والوصف للاحتراز عن الحياة الآخرة وهي الحياة بعد الموت .
والكاف في قوله : { كماء } في محل الحال من ( الحياة ) المضاف إليه ( مثل ) . أي اضرب لهم مثلاً لها حال أنها كماء أنزلناه .
وهذا المثل منطبق على الحياة الدنيا بإطلاقيها ، فهما مرادان منه . وضمير { لهم } عائد إلى المشركين كما دل عليه تناسق ضمائر الجمع الآتية في قوله : { وحشرناهم } { فلم نغادر منهم } { وعرضوا } { بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا } [ الكهف : 47 48 ] .
واختلاط النبات : وفرته والتفاف بعضه ببعض من قوة الخِصب والازدهار .
والباء في قوله : ( به ) باء السببية . والضمير عائد إلى ( ماءٍ ) أي فاختلط النبات بسبب الماء ، أي اختلط بعض النبات ببعض . وليست البَاء لتعدية فعل اختلط } إلى المفعول لعدم وضوح المعنى عليه ، وفي ذكر الأرض بعد ذكر السماء محسن الطباق .
و ( أصبح ) مستعملة بمعنى صار ، وهو استعمال شائع .
والهشيم : اسم على وزن فعيل بمعنى مفعول ، أي مَهْشوماً محطماً . والهَشْم : الكسر والتفتيت .
و { تذروه الرياح } أي تفرقه في الهواء . والذرو : الرمي في الهواء . شبهت حالة هذا العالم بما فيه بحالة الروضة تبقى زماناً بَهِجة خَضِرة ثم يصير نبتُها بعد حين إلى اضمحلال . ووجه الشبه : المصير من حال حسن إلى حال سَيّء . وهذا تشبيه معقول بمحسوس لأن الحالة المشبهة معقولة إذ لم ير الناس بوادر تَقلص بهجة الحياة ، وأيضاً شبهت هيئة إقبال نعيم الدنيا في الحياة مع الشباب والجِدة وزخرف العيش لأهله ، ثم تَقلصُ ذلك وزوال نفعه ثم انقراضُه أشتاتاً بهيئة إقبال الغيث منبت الزرع ونشأتِه عنه ونضارتهِ ووفرتهِ ثم أخذهِ في الانتقاص وانعدام التمتع به ثم تطَايره أشتاتاً في الهواء ، تشبيهاً لمركب محسوس بمركب محسوس ووجه الشبه كما علمت .
وجملة { وكان الله على كل شيء مقتدراً } جملة معترضة في آخر الكلام . موقعها التذكير بقدرة الله تعالى على خلق الأشياء وأضدادها ، وجعل أوائلها مفضية إلى أواخرها ، وترتيبه أسباب الفناء على أسباب البقاء ، وذلك اقتدار عجيب . وقد أفيد ذلك على أكمل وجه بالعموم الذي في قوله : { على كل شيء } وهو بذلك العموم أشبه التذييل . والمقتدر : القوي القدرة .
قوله تعالى : " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا " أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مثل الحياة الدنيا ، أي شبهها . " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به " أي بالماء . " نبات الأرض " حتى استوى . وقيل : إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء ؛ لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر . وقد تقدم هذا المعنى في " يونس " {[10550]} مبينا . وقالت الحكماء : إنما شبه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع ، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد ، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا ، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى ، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها ، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا ، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا ، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر . وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل : يا رسول الله ، إني أريد أن أكون من الفائزين ، قال : ( ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يطغي ) . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه ) . " فأصبح " أي النبات " هشيما " أي متكسرا من اليبس متفتتا ، يعني بانقطاع الماء عنه ، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه . والهشم : كسر الشيء اليابس . والهشيم من النبات اليابس المتكسر ، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء . ومنه قولهم : ما فلان إلا هَشِيمَةُ كَرْمٍ ، إذا كان سمحا . ورجل هشيم : ضعيف البدن . وتهشم عليه فلان إذا تعطف . واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه . ويقال : هشم الثريد ، ومنه سمي هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو ، وفيه يقول عبد الله بن الزبعرى :
عَمْرُو العُلاَ هَشَم الثَّرِيدَ لقومِه*** ورجالُ مَكَّة مُسْنِتُونَ عِجَافُ
وكان سبب ذلك أن قريشا أصابتهم سنون{[10551]} ذهبن بالأموال فخرج هاشم إلى الشام فأمر بخبز كثير فخبز له ، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة ، وهشم ذلك الخبز ، يعني كَسَّره وثَرَّدَه ، ونحر تلك الإبل ، ثم أمر الطهاة فطبخوا ، ثم كفأ القدور على الجفان فأشبع أهل مكة ، فكان ذلك أول الحِبَاء بعد السنة التي أصابتهم ، فسمي بذلك هاشما . " تذروه الرياح " أي تفرقه ، قاله أبو عبيدة . ابن قتيبة : تنسفه . ابن كيسان : تذهب به وتجيء . ابن عباس : تديره ، والمعنى متقارب . وقرأ طلحة بن مصرف " تذريه الريح " . قال الكسائي : وفي قراءة عبدالله " تذريه " . يقال : ذرته الريح تذروه ذروا و[ تذريه ] ذريا وأذريه تذريه إذراء إذا طارت به . وحكى الفراء : أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته . وأنشد سيبويه والفراء :
فقلت له صَوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ *** فَيُذْرِك{[10552]} من أخْرَى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ
قوله تعالى : " وكان الله على كل شيء مقتدرا " من الإنشاء والإفناء والإحياء ، سبحانه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.