التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا} (71)

أي فعقِب تلك المحاورة أنهما انطلقا . والانطلاق : الذهاب والمشي ، مشتق من الإطلاق وهو ضد التقييد ، لأن الدابة إذا حُلّ عقالها مشت . فأصله مطاوع أطلقه .

و ( حتى ) غاية للانطلاق . أي إلى أن ركبا في السفينة .

و ( حتى ) ابتدائية ، وفي الكلام إيجاز دل عليه قوله : { إذا ركبا في السفينة } . أصل الكلام : حتى استأجرا سفينة فركباها فلما ركبا في السفينة خرقها .

وتعريف { السفينة } تعريف العهد الذهني ، مثل التعريف في قوله تعالى : { وأخاف أن يأكله الذئب } [ يوسف : 13 ] .

وإذا } ظرف للزمان الماضي هنا ، وليست متضمنة معنى الشرط . وهذا التوقيت يؤذن بأخذه في خرق السفينة حين ركوبهما . وفي ذلك ما يشير إلى أن الركوب فيها كان لأجل خرقها لأن الشيء المقصود يبادِر به قاصده لأنه يكون قد دبره وارتآه من قبل .

وبني نظم الكلام على تقديم الظرف على عامله للدلالة على أن الخرق وقع بمجرد الركوب في السفينة ، لأن في تقديم الظرف اهتماماً به ، فيدل على أن وقت الركوب مقصود لإيقاع الفعل فيه .

وضمن الركوب معنى الدخول لأنه ركوب مجازي ، فلذلك عدي بحرف ( في ) الظرفية نظير قوله تعالى : { وقال اركبوا فيها } [ هود : 41 ] دون نحو قوله : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها } [ النحل : 8 ] . وقد تقدم ذلك في سورة هود .

والخرق : الثقب والشق ، وهو ضد الالتئام .

والاستفهام في { أخرقتها } للإنكار . ومحل الإنكار هو العلة بقوله : { لتغرق أهلها } ، لأن العلة ملازمة للفعل المستفهم عنه . ولذلك توجه أن يغير موسى عليه السلام هذا المنكَر في ظاهر الأمر ، وتأكيد إنكاره بقوله : { لقد جئت شيئاً إمراً } .

والإمر بكسر الهمزة : هو العظيم المفظع . يقال : أَمِر كفرح إِمراً ، إذا كثر في نوعه . ولذلك فسره الراغب بالمنكر ، لأن المقام دال على شيء ضارّ . ومقام الأنبياء في تغيير المنكر مقام شدة وصراحة . ولم يجعله نكراً كما في الآية بعدها لأن العلم الذي عمله الخضر ذريعة للغرق ولم يقع الغرق بالفعل .

وقرأ الجمهور { لتغرق } بمثناة فوقية مضمومة على الخطاب . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف { ليَغرق } بتحتية مفتوحة ورفع { أهلها } على إسناد فعل الغرق للأهل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا} (71)

قوله تعالى : " فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها " فيه مسألتان :

الأولى- في صحيح مسلم والبخاري : ( فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول ، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ [ موسى ]{[10627]} إلا والخضر قد قلع منها لوحا من ألواح السفينة بالقدوم ، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها " لقد جئت شيئا إمرا . قال إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا " قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وكانت الأولى من موسى نسيانا ) قال :( وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر ، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ) . قال علماؤنا : حرف السفينة طرفها وحرف كل شيء طرفه ، [ ومنه حرف الجبل ]{[10628]} وهو أعلاه المحدد . والعلم هنا بمعنى المعلوم ، كما قال : " ولا يحيطون بشيء من علمه{[10629]} " [ البقرة : 255 ] أي من معلوماته ، وهذا من الخضر تمثيل ، أي معلوماتي ومعلوماتك لا أثر لها في علم الله ، كما أن ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر ، وإنما مثل له ذلك بالبحر لأنه أكثر ما يشاهده مما بين أيدينا ، وإطلاق لفظ النقص هنا تَجَوُّزٌ قصد به التمثيل والتفهيم ، إذ لا نقص في علم الله ، ولا نهاية لمعلوماته . وقد أوضح هذا المعنى البخاري فقال : ( والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطير بمنقاره من البحر ) وفي التفسير عن أبي العالية : لم ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى وكان عبدا لا تراه إلا عين من أراد الله له أن يريه ، ولو رآه القوم لمنعوه من خرق السفينة . وقيل : خرج أهل السفينة إلى جزيرة ، وتخلف الخضر فخرق السفينة ، وقال ابن عباس : ( لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى ناحية ، وقال في نفسه : ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت في بني إسرائيل أتلو كتاب الله عليهم غدوة وعشية فيطيعوني قال له الخضر : يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك ؟ قال : نعم . قال : كذا وكذا قال : صدقت ، ذكره الثعلبي في كتاب العرائس .

الثانية-في خرق السفينة دليل أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحا ، مثل أن يخاف على ريعه ظالما فيخرّب بعضه وقال أبو يوسف : يجوز للولي أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض وقرأ حمزة والكسائي " ليغرق " بالياء " أهلُها " بالرفع فاعل يغرق ، فاللام على قراءة الجماعة في " لتغرق " لام المآل مثل " ليكون لهم عدو وحزنا " {[10630]} . وعلى قراءة حمزة لام كي ، ولم يقل لتغرقني ؛ لأن الذي غلب الحال فرط الشفقة عليهم ، ومراعاة حقهم . و " إمرا " معناه عجبا ، قاله القتبي ، وقيل : منكرا ، قاله مجاهد ، وقال أبو عبيدة : الإمر الداهية العظيمة ، وأنشد :

قد لقِيَ الأقرانُ منِّي نُكْرا *** داهيةً دهياءَ إدًّا إمْرا

وقال الأخفش : يقال أَمِرَ أَمْرُهُ يَأْمَرُ [ أَمْرًا ]{[10631]} إذا اشتد ، والاسم الإِمْرُ .


[10627]:الزيادة من البخاري.
[10628]:الزيادة من كتب اللغة.
[10629]:راجع جـ 3 ص 268.
[10630]:راجع جـ 13 ص 252.
[10631]:الزيادة من كتب اللغة.