التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ} (12)

جملة { وأنشأنا بعدها قوماً آخرين } معترضة بين جملة { وكم قصمنا من قرية } وجملة { فلما أحسوا بأسنا } الخ . فجملة { فلما أحسوا بأسنا } الخ تفريع على جملة { وكم قصمنا من قرية } .

وضمير { منها } عائد إلى { قرية } .

والإحساس : الإدراك بالحس فيكون برؤية ما يزعجهم أو سماع أصوات مؤذنة بالهلاك كالصواعق والرياح .

والبأس : شدة الألم والعذاب . وحرف ( مِن ) في قوله منها يركضون } يجوز أن يكون للابتداء ، أي خارجين منها ، ويجوز أن يكون للتعليل بتأويل ( يركضون ) معنى ( يهربون ) ، أي من البأس الذي أحسوا به فلا بدّ من تقدير مضاف ، أي من بأسنا الذي أحسوه في القرية .

وذلك بحصول أشراط إنذار مثل الزلازل والصواعق .

والركض : سرعة سير الفرس ، وأصله الضرب بالرّجل فيسمى به العدو ، لأن العدو يقتضي قوة الضرب بالرّجل وأطلق الركض في هذه الآية على سرعة سير الناس على وجه الاستعارة تشبيهاً لسرعة سيرهم بركض الأفراس .

و { منها } ظرف مستقر في موضع الحال من الضمير المنفصل المرفوع .

ودخلت ( إذا ) الفجائية في جواب ( لما ) للدلالة على أنهم ابتدروا الهروب من شدة الإحساس بالبأس تصويراً لشدة الفزع . وليست ( إذا ) الفجائية برابطة للجواب بالشرط لأن هذا الجواب لا يحتاج إلى رابط ، و ( إذا ) الفجائية قد تكون رابطة للجواب خَلفاً من الفاء الرابطة حيث يحتاج إلى الرابط لأن معنى الفجاءة يصلح للربط ولا يلازمه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ} (12)

" فلما أحسوا " أي رأوا عذابنا ، يقال : أحسست منه ضعفا . وقال الأخفش : " أحسوا " خافوا وتوقعوا . " إذا هم منها يركضون " أي يهربون ويفرون . والركض العدو بشدة الوطء . والركض تحريك الرجل ، ومنه قوله تعالى : " اركض برجلك " {[11232]} [ ص : 42 ] وركضت الفرس برجلي استحثثته ليعدو ثم كثر حتى قيل : ركض الفرس إذا عدا وليس بالأصل ، والصواب ركض الفرس على ما لم يسم فاعله فهو مركوض .


[11232]:راجع جـ 15 ص 211.