التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (18)

( بل ) للإضراب عن اتخاذ اللهو وعن أن يكون الخَلق لعباً إضرابَ إبطال وارتقاء ، أي بل نحن نعمد إلى باطلكم فنقذف بالحق عليه كراهيةً للباطل بَلْهَ أن نعمل عملاً هو باطل ولعب .

والقذف ، حقيقته : رمي جسم على جسم . واستعير هنا لإيراد ما يزيل ويبطل الشيء من دليل أو زَجْر أو إعدامٍ أو تكوين ما يغلب ، لأن ذلك مثل رمي الجسم المبطل بشيء يأتي عليه ليتلفه أو يشتته ، فالله يبطل الباطل بالحقّ بأن يبين للناس بطلان الباطل على لسان رسله ، وبأن أوجَد في عقولهم إدراكاً للتمييز بين الصلاح والفساد ، وبأن يسلط بعض عباده على المبطلين لاستئصال المبطلين ، وبأن يخلق مخلوقات يسخرها لإبطال الباطل ، قال تعالى : { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } في سورة الأنفال ( 12 ) .

والدمغ : كَسْر الجسم الصُلب الأجوف ، وهو هنا ترشيح لاستعارة القذف لإيراد ما يبطل ، وهو استعارة أيضاً حيث استعير الدمغ لمحق الباطل وإزالتِه كما يزيل القذف الجسم المقذوف ، فالاستعارتان من استعارة المحسوسين للمعقولين .

ودل حرف المفاجأة على سرعة محق الحقّ الباطلَ عند وروده لأن للحقّ صولة فهو سريع المفعول إذا ورد ووضح ، قال تعالى : { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابيا } إلى قوله تعالى : { كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } في سورة الرعد ( 17 ) .

والزاهق : المنفلت من موضعه والهالك ، وفِعله كسمع وضرب ، والمصدر الزهوق . وتقدم في قوله تعالى : { وتَزْهَقَ أنفسُهم وهم كافرون } في سورة براءة ( 55 ) وقوله تعالى : { إن الباطل كان زهوقاً } في سورة الإسراء ( 81 ) .

وعندما انتهت مقارعتهم بالحجج الساطعة لإبطال قولهم في الرسول وفي القرآن ابتداء من قوله تعالى : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } إلى قوله تعالى : { كما أرسل الأولون } [ الأنبياء : 3 5 ] . وما تخلل ذلك من المواعظ والقوارع والعبر . خُتم الكلام بشتمهم وتهديدهم بقوله تعالى : { ولكم الويل مما تصفون } ، أي مما تصفون به محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن .

والويل : كلمة دعاء بسوء . وفيها في القرآن توجيه لأن الوَيْل اسم للعذاب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (18)

قوله تعالى : " بل نقذف بالحق على الباطل " القذف الرمي ، أي نرمي بالحق على الباطل . " فيدمغه " أي يقهره ويهلكه . وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ ، ومنه الدامغة{[11236]} . والحق هنا القرآن ، والباطل الشيطان في قول مجاهد ، قال : وكل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان . وقيل : الباطل كذبهم ووصفهم الله عز وجل بغير صفاته من الولد وغيره . وقيل : أراد بالحق الحجة ، وبالباطل شبههم . وقيل : الحق المواعظ ، والباطل المعاصي ، والمعنى متقارب . والقرآن يتضمن الحجة والموعظة . " فإذا هو زاهق " أي هالك وتالف ، قاله قتادة . " ولكم الويل " أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم الله بما لا يجوز وصفه . وقال ابن عباس : الويل واد في جهنم ، وقد تقدم{[11237]} . " مما تصفون " أي مما تكذبون ، عن قتادة ومجاهد ، نظيره " سيجزيهم وصفهم " {[11238]} [ الأنعام : 139 ] أي بكذبهم . وقيل : مما تصفون الله به من المحال وهو اتخاذه سبحانه الولد .


[11236]:راجع جـ 2 ص 7 فما بعد.
[11237]:راجع جـ 2 ص 7 فما بعد.
[11238]:راجع جـ 7 ص 95 فما بعد.