التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ} (42)

بعد أن سُلِّيَ الرسول صلى الله عليه وسلم على استهزائهم بالوعيد أُمر أن يذكرهم بأن غرورهم بالإمهال من قِبل الله رحمة منه بهم كشأنه في الرحمة بمخلوقاته بأنهم إذا نزل بهم عذابه لا يجدون حافظاً لهم من العذاب غيره ولا تمنعهم منه آلهتهم .

والاستفهام إنكار وتقريع ، أي لا يكلؤُهم منه أحد فكيف تجهلون ذلك ، تنبيهاً لهم إذ نسوا نعمه .

وذكر الليل والنهار لاستيعاب الأزمنة كأنه قيل : من يكلؤكم في جميع الأوقات .

وقدم الليل لأنه زمن المخاوف لأن الظلام يُعين أسباب الضر على الوصول إلى مبتغاها من إنسان وحيوان وعلل الأجسام .

وذكر النهار بعده للاستيعاب .

ومعنى { من الرحمان } من بأسه وعذابه .

وجيء بعد هذا التفريع بإضرابات ثلاثة انتقالية على سبيل التدريج الذي هو شأن الإضراب .

فالإضراب الأول قوله تعالى : { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ، وهو ارتقاء من التقريع المجعول للإصلاح إلى التأييس من صلاحهم بأنهم عن ذكر ربهم معرضون فلا يُرجَى منهم الانتفاع بالقوارع ، أي أخِّرْ السؤال والتقريع واتركهم حتى إذا تورّطوا في العذاب عرفوا أن لا كالىء لهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ} (42)

قوله تعالى : " قل من يكلؤكم " أي يحرسكم ويحفظكم . والكلاءة الحراسة والحفظ ، كلاه الله كلاء ( بالكسر ) أي حفظه وحرسه . يقال : اذهب في كلاءة الله ، واكتلأت منهم أي احترست ، قال الشاعر هو ابن هرمة :

إن سليمى والله يكلؤُها *** ضنَّت بشيء ما كان يَرْزَؤُهَا

وقال آخر{[11268]} :

أَنَخْتُ بعيري واكتلأتُ بِعَيْنِهِ

وحكى الكسائي والفراء " قل من يكْلَوكم " بفتح اللام وإسكان الواو . وحكيا " من يكلاكم " على تخفيف الهمزة في الوجهين ، والمعروف تحقيق الهمزة وهي قراءة العامة . فأما " يكلاكم " فخطأ من وجهين فيما ذكره النحاس : أحدهما : أن بدل الهمزة . يكون في الشعر . والثاني : أنهما يقولان في الماضي كليته ، فينقلب المعنى ؛ لأن كليته أوجعت كليته ، ومن قال لرجل : كلاك الله فقد دعا عليه بأن يصيبه الله بالوجع في كليته . ثم قيل : مخرج اللفظ مخرج الاستفهام والمراد به النفي . وتقديره : قل لا حافظ لكم " بالليل " إذا نمتم " والنهار " إذا قمتم وتصرفتم في أموركم . " من الرحمن " أي من عذابه وبأسه ، كقوله تعالى : " فمن ينصرني من الله " {[11269]} [ هود : 63 ] أي من عذاب الله . والخطاب لمن اعترف منهم بالصانع ، أي إذا أقررتم بأنه الخالق ، فهو القادر على إحلال العذاب الذي تستعجلونه . " بل هم عن ذكر ربهم " أي عن القرآن . وقيل : عن مواعظ ربهم وقيل : عن معرفته . " معرضون " لاهون غافلون .


[11268]:هو كعب بن زهير؛ وعجزه. *وآمرت نفسي أي أمري أفعل *
[11269]:راجع جـ ص 58 فما بعد.