التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ} (79)

عطف على جملة { وآتيناه من الكنوز } [ القصص : 76 ] إلى آخرها مع ما عطف عليها وتعلق بها ، فدلت الفاء على أن خروجه بين قومه في زينته بعد ذلك كله كان من أجل أنه لم يقصر عن شيء من سيرته ولم يتعظ بتلك المواعظ ولا زمناً قصيراً بل أعقبها بخروجه هذه الخرجة المليئة صلفاً وازدهاء . فالتقدير : قال إنما أوتيته على علم عندي فخرج ، أي رفض الموعظة بقوله وفعله . وتعدية ( خرج ) بحرف { على } لتضمينه معنى النزول إشارة إلى أنه خروج متعال مترفِّع ، و { في زينته } حال من ضمير ( خرج ) .

والزينة : ما به جمال الشيء والتباهي به من الثياب والطيب والمراكب والسلاح والخدم ، وتقدم قوله تعالى { ولا يُبْدين زينتهن } في سورة [ النور : 31 ] . وإنما فصلت جملة { قال الذين يريدون الحياة الدنيا } ولم تعطف لأنها تتنزل منزلة بدل الاشتمال لما اشتملت عليه الزينة من أنها مما يتمناه الراغبون في الدنيا . وذلك جامع لأحوال الرفاهية وعلى أخصر وجه لأن الذين يريدون الحياة الدنيا لهم أميال مختلفة ورغبات متفاوتة فكل يتمنى أمنية مما تلبس به قارون من الزينة ، فحصل هذا المعنى مع حصول الأخبار عن انقسام قومه إلى مغترين بالزخارف العاجلة عن غير علم ، وإلى علماء يؤثرون الآجل على العاجل ، ولو عطفت جملة { قال الذين يريدون } بالواو وبالفاء لفاتت هذه الخصوصية البليغة فصارت الجملة إما خبراً من جملة الأخبار عن حال قومه ، أو جزء خبر من قصته .

و { الذين يريدون الحياة الدنيا } لما قوبلوا ب { الذين أوتوا العلم } [ القصص : 80 ] كان المعنيُّ بهم عامة الناس وضعفاء اليقين الذين تلهيهم زخارف الدنيا عما يكون في مطاويها من سوء العواقب فتقصر بصائرهم عن التدبر إذا رأوا زينة الدنيا فيتلهفون عليها ولا يتمنون غير حصولها فهؤلاء وإن كانوا مؤمنين إلا أن إيمانهم ضعيف فلذلك عظم في عيونهم ما عليه قارون من البذخ فقالوا { إنه لذو حظ عظيم } أي إنه لذو بخت وسعادة .

وأصل الحظ : القِسم الذي يعطاه المقسوم له عند العطاء ، وأريد به هنا ما قسم له من نعيم الدنيا .

والتوكيد في قوله { إنه لذو حظ عظيم } كناية عن التعجب حتى كأن السامع ينكر حظه فيؤكده المتكلم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ} (79)

قوله تعالى : " فخرج على قومه " أي على بني إسرائيل فيما رآه زينة من متاع الحياة الدنيا . من الثياب والدواب والتجمل في يوم عيد . قال الغزنوي : في يوم السبت

قوله تعالى : " في زينته " أي مع زينته قال الشاعر :

إذا ما قلوب القوم طارت مخافة *** من الموت أرسوا بالنفوس المواجد{[12388]}

أي مع النفوس . كان خرج في سبعين ألفا من تبعه ، عليهم المعصفرات ، وكان أول من صبغ له الثياب المعصفرة . قال السدي : مع ألف جوار بيض على بغال بيض بسروج من ذهب على قطف الأرجوان . قال ابن عباس : خرج على البغال الشهب . مجاهد : على براذين بيض عليها سروج الأرجوان ، وعليهم المعصفرات ، وكان ذلك أول يوم رئي فيه المعصفر . قال قتادة : خرج على أربعة آلاف دابة عليهم ثياب حمر ، منها ألف بغل أبيض عليها قطف حمر . قال ابن جريج : خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان ، ومعه ثلاثمائة جارية على البغال الشهب عليهن الثياب الحمر . وقال ابن زيد : خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات . الكلبي : خرج في ثوب أخضر كان الله أنزله على موسى من الجنة فسرقه منه قارون . وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : كانت زينته القرمز . قلت : القرمز صبغ أحمر مثل الأرجوان ، والأرجوان في اللغة صبغ أحمر . ذكره القشيري .

قوله تعالى : " قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم " أي نصيب وافر من الدنيا . ثم قيل : هذا من قول مؤمني ذلك الوقت ، تمنوا مثل ماله رغبة في الدنيا . وقيل : هو من قول أقوام لم يؤمنوا بالآخرة ولا رغبوا فيها ، وهم الكفار .


[12388]:في نسخة: ارموا بالنفوس. وفي نسخة أخرى أرسوا بالنفوس النواجذ. ولم نعثر عليه.