التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا} (61)

قوله { وإذا قيل لهم تعالوا } الآية أي إذا قيل لهم احضُروا أو إيتوا . فإنّ ( تعال ) كلمة تدلّ على الأمر بالحضور والإقبال ، فمفادها مفاد حرف النداء إلاّ أنّها لا تنبيه فيها . وقد اختلف أيمّة العربية في أنّه فعل أو اسمُ فعلٍ ، والأصحّ أنّه فعل لأنّه مشتقّ من مادّة العلوّ ، ولذلك قال الجوهري في « الصحاح » « والتعالي الارتفاع » ، تقول منه ، إذا أمرت : « تعال يا رجل » ، ومثله في « القاموس » ، ولأنّه تتّصل به ضمائر الرفع ، وهو فعل مبني على الفتح على غير سنّة فِعل الأمر ، فذلك البناء هو الذي حدا فريقاً من أهل العربية على القول بأنّه اسم فعل ، وليس ذلك القول ببعيد ، ولم يَرِد عن العرب غير فتح اللام ، فلذلك كان كسر اللام في قول أبي فِراس :

أيا جارتَا ما أنصف الدهر بيننا *** تعالي أقاسمك الهموم تَعالي

بكسر لام القافية المكسورة ، معدوداً لحناً .

وفي « الكشّاف » أنّ أهل مكة أي في زمان الزمخشري يقولون تعالِي للمرأة . فذلك من اللحن الذي دخل في اللغة العربية بسبب انتشار الدُّخلاء بينهم .

ووجه اشتقاق تعالَ من مادّة العلوّ أنّهم تخيّلوا المنادي في علوّ والمنادي ( بالفتح ) في سفل ، لأنّهم كانوا يجعلون بيوتهم في المرتفعات لأنّها أحصن لهم ، ولذلك كان أصله أن يدلّ على طلب حضور لنفع . قال ابن عطية في تفسير في قوله تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا } في سورة المائدة ( 104 ) : « تعال نداء ببرّ ، هذا أصله ، ثم استعمل حيث البرّ وحيث ضدّه » . وقال في تفسير آية النساء : « وهي لفظة مأخوذة من العلوّ لمّا استعملت في دعاء الإنسان وجلبه صيغت من العلوّ تحسيناً للأدب كما تقول : ارتفع إلى الحقّ ونحوه » . وأعلم أنّ تعال لمّا كانت فعلاً جامداً لم يصحّ أن يصاغ منه غير الأمر ، فلا تقول : تعاليت بمعنى حضرت ، ولا تنهى عنه فتقول : لا تتعال . قال في « الصحاح » « ولا يجوز أن يقال منه تعاليت ولا ينهى عنه » . وفي « الصحاح » عقبه « وتقول : قد تعاليت وإلى أي شيء أتعالى » يعني أنّه يتصرّف في خصوص جواب الطلب لمن قال لك تعال ، وتبعه في هذا صاحب « اللسان » وأغفل العبَارة التي قبله ، وأمّا صاحب « تاج العروس » فربما أخطأ إذ قال : « قال الجوهري : ولا يجوز أن يقال منه : تعاليت وإلى أي شيء أتعالى » ولعلّ النسخة قد وقع فيها نقص أو خطأ من الناسخ لظنّه في العبارة تكريراً ، وإنّما نبّهت على هذا لئلاّ تقع في أخطاء وحيرة .

و ( تعالوا ) مستعمل هنا مجازاً ، إذ ليس ثمّة حضور وإتيان ، فهو مجاز في تحكيم كتاب الله وتحكيم الرسول في حضوره ، ولذلك قال : { إلى ما أنزل الله } إذ لا يحكم الله إلاّ بواسطة كلامه ، وأمّا تحكيم الرسول فأريد به تحكيم ذاته لأنّ القوم المخبر عنهم كانوا من المنافقين وهم بالمدينة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم و ( صدودا ) مفعول مطلق للتوكيد ، ولقصد التوصّل بتنوين { صدودا } لإفادة أنّه تنوين تعظيم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا} (61)

روى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال : كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة ، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة . ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم ؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم ؛ فلما اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة ، فأنزل الله تعالى في ذلك : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " يعني المنافق . " وما أنزل من قبلك " يعني اليهودي . " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " إلى قوله : " ويسلموا تسليما " وقال الضحاك : دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو " الطاغوت " ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال : كان بين رجل من المنافقين يقال له بشر وبين يهودي خصومة ؛ فقال اليهودي : انطلق بنا إلى محمد ، وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله " الطاغوت " أي ذو الطغيان فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي . فلما خرجا قال المنافق : لا أرضى ، انطلق بنا إلى أبي بكر ، فحكم لليهودي فلم يرض ذكره الزجاج وقال : انطلق بنا إلى عمر ، فأقبلا على عمر فقال اليهودي : إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض ، فقال عمر للمنافق : أكذلك هو ؟ قال : نعم . قال : رويدكما حتى أخرج إليكما . فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد{[4593]} ، وقال : هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله ، وهرب اليهودي ، ونزلت الآية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنت الفاروق ) . ونزل جبريل وقال : إن عمر فرق بين الحق والباطل ، فسمي الفاروق . وفي ذلك نزلت الآيات كلها إلى قوله : " ويسلموا تسليما " [ النساء : 65 ] وانتصب : " ضلالا " على المعنى ، أي فيضلون ضلالا ، ومثله قوله تعالى : " والله أنبتكم من الأرض نباتا{[4594]} " [ نوح : 17 ] . وقد تقدم هذا المعنى مستوفى{[4595]} . و " صدودا " اسم للمصدر عند الخليل ، والمصدر الصد . والكوفيون يقولون : هما مصدران .


[4593]:برد (بفتح الموحدة والراء): أي مات.
[4594]:راجع ج 18 ص 305.
[4595]:راجع ج 4 ص 69.