التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّـٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّـٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (8)

إعادة النداء في خلال جمل الدعاء اعتراض للتأكيد بزيادة التضرع ، وهذا ارتقاء من طلب وقايتهم العذاب إلى طلب إدخالهم مكان النعيم .

والعَدْن : الإِقامة ، أي الخلود . والدعاء لهم بذلك مع تحققهم أنهم موعودون به تأدُب مع الله تعالى لأنه لا يُسأل عما يفعل ، كما تقدم في سورة [ آل عمران : 194 ] قوله : { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } .

ويجوز أن يكون المراد بقولهم : { وأدخلهم } عَجِّل لهم بالدخول . ويجوز أن يكون ذلك تمهيداً لقولهم : { وَمَن صَلَح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم } فإن أولئك لم يكونوا موعودين به صريحاً . و { من صلح } عطف على الضمير المنصوب في { أدخلهم } .

والمعنى دعاء بأن يجعلهم الله معهم في مساكن متقاربة ، كما تقدم في قوله تعالى : { هم وأزواجهم في ظلال } في سورة [ يس : 56 ] ، وقوله : { ألحقنا بهم ذرياتهم } في سورة [ الطور : 21 ] .

ورُتبت القرابات في هذه الآية على ترتيبها الطبيعي فإن الآباء أسبق علاقة بالأبناء ثم الأزواجُ ثم الذريات .

وجملة { إنَّك أنت العَزِيز الحَكِيم } اعتراض بين الدعوات استقصاء للرغبة في الإِجابة بداعي محبة الملائكة لأهل الصلاح لما بين نفوسهم والنفوس الملكية من التناسب . واقتران هذه الجملة بحرف التأكيد للاهتمام بها . و ( إنَّ ) في مثل هذا المقام تُغني غَناء فاء السببية ، أي فعزتُك وحكمتك هما اللتان جَرَّأَتَانَا على سؤال ذلك من جلالك ، فالعزة تقتضي الاستغناء عن الانتفاع بالأشياء النفيسة فلما وَعد الصالحين الجنة لم يكن لله ما يضنه بذلك فلا يصدر منه مطل ، والحكمةُ تقتضي معاملة المحسن بالإِحسان .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّـٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّـٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (8)

قوله تعالى : " ربنا وأدخلهم جنات عدن " يروى أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار : ما جنات عدن . قال : قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل . " التي وعدتهم " " التي " في محل نصب نعتا للجنات . " ومن صلح " " من " في محل نصب عطفا على الهاء والميم في قوله : " وأدخلهم " . " ومن صلح " بالإيمان " من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " وقد مضى في " الرعد " {[13360]} نظير هذه الآية . قال سعيد بن جبير : يدخل الرجل الجنة ، فيقول : يا رب أين أبي وجدي وأمي ؟ وأين ولدي وولد ولدي ؟ وأين زوجاتي ؟ فيقال إنهم لم يعملوا كعملك ، فيقول : يا رب كنت أعمل لي ولهم ، فيقال أدخلوهم الجنة . ثم تلا : " الذين يحملون العرش ومن حوله " إلى قوله : " ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " . ويقرب من هذه الآية قوله : " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " [ الطور : 21 ] .


[13360]:راجع ج 9 ص 312 طبعة أولى أو ثانية.