التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ} (60)

لما أشارت الآية السابقة إلى إبطال ضلالة الذين زعموا عيسى عليه السلام ابناً لله تعالى ، من قَصره على كونه عبداً لله أنعم الله عليه بالرسالة وأنه عبرة لبني إسرائيل عُقب ذلك بإبطال ما يماثل تلك الضلالة ، وهي ضلالة بعض المشركين في ادعاء بنوة الملائكة لله تعالى المتقدم حكايتها في قوله : { وجَعَلوا له من عباده جُزءاً } [ الزخرف : 15 ] الآيات فأشير إلى أن الملائكة عباد لله تعالى جعَل مكانهم العوالم العليا ، وأنه لو شاء لجعلهم من سكان الأرض بدلاً عن الناس ، أي أن كونهم من أهل العوالم العليا لم يكن واجباً لهم بالذات وما هو إلا وضعٌ بجعل من الله تعالى كما جعل للأرض سكاناً ، ولو شاء الله لعكس فجعل الملائكة في الأرض بدلاً عن الناس ، فليس تشريف الله إياهم بسكنى العوالم العليا بموجب بُنوتهم لله ولا بمقتضضٍ لهم إلهية ، كما لم يكن تشريف عيسى بنعمة الرسالة ولا تمييزُه بالتكوّن من دون أب مقتضياً له إلهاية وإنما هو بجعل الله وخلقه .

وجُعِل شرط { لو } فعلاً مستقبلاً للدلالة على أن هذه المشيئة لم تزل ممكنة بأن يعوِّض للملائكة سكنى الأرض .

ومعنى ( مِن ) في قوله : { منكم } البدلية والعِوَض كالتي في قوله تعالى : { أرَضِيتُم بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة } [ التوبة : 38 ] .

والمجرور متعلق ب ( جعلنا ) ، وقُدّم على مفعول الفعل للاهتمام بمعنى هذه البَدَلية لتتعمق أفهام السامعين في تدبرها .

وجملة { في الأرض يخلفون } بيان لمضمون شبه الجملة إلى قوله : { منكم } وحذف مفعول { يخلفون } لدلالة { منكم } عليه ، وتقديم هذا المجرور للاهتمام بما هو أدل على كون الجملة بياناً لمضمون { منكم } . وهذا هو الوجه في معنى الآية وعليه درج المحققون . ومحاولة صاحب « الكشاف » حمل { منكم } على معنى الابتدائية والاتصال لا يلاقي سياق الآيات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ} (60)

" ولو نشاء لجعلنا منكم " أي بدلا منكم " ملائكة " يكونون خلفا عنكم ، قاله السدي . ونحوه عن مجاهد قال : ملائكة يعمرون الأرض بدلا منكم . وقال الأزهري : إن " من " قد تكون للبدل ، بدليل هذه الآية .

قلت : قدم تقدم هذا المعنى في " التوبة " {[13658]} وغيرها . وقيل : لو نشاء لجعلنا من الإنس ملائكة وإن لم تجر العادة بذلك ، والجواهر جنس واحد والاختلاف بالأوصاف ، والمعنى : لو نشاء لأسكنا الأرض الملائكة ، وليس في إسكاننا إياهم السماء شرف حتى يعبدوا ، أو يقال لهم بنات الله . ومعنى " يخلفون " يخلف بعضهم بعضا . قاله ابن عباس .


[13658]:راجع ج 8 ص 141.