التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} (52)

{ أم } منقطعة بمعنى ( بل ) للإضراب الانتقالي . والتقدير : بل أأنا خير ، والاستفهام اللازم تقديره بعدها تقريريٌ . ومقصوده : تصغير شأن موسى في نفوسهم بأشياء هي عوارض ليست مؤثرة انتقل من تعظيم شأن نفسه إلى إظهار البون بينه وبين موسى الذي جاء يحقر دينه وعبادة قومه إياه ، فقال : أنا خير من هذا . والإشارة هنا للتحقير . وجاء بالموصول لادعاء أن مضمون الصلة شيء عرف به موسى .

والمَهين بفتح الميم : الذليل الضعيف ، أراد أنه غريب ليس من أهل بُيوت الشرف في مصر وليس له أهل يعتزّ بهم ، وهذا سفسطة وتشغيب إذ ليس المقام مقام انتصار حتى يحقَّر القائم فيه بقلة النصير ، ولا مقامَ مباهاة حتى ينتقص صاحبه بضعف الحال .

وأشار بقوله : { ولا يكاد يبين } إلى ما كان في منطق موسى من الحُبسة والفهاهة كما حَكى الله في الآية عن موسى { وأخي هارونُ هو أفصح منّي لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني } [ القصص : 34 ] وفي الأخرى { واحلُلْ عقدةً من لساني يفقهوا قولي } [ طه : 27 ، 28 ] ، وليس مقام موسى يومئذٍ مقام خطابة ولا تعليم وتذكير حتى تكون قلة الفصاحة نَقْصاً في عمله ، ولكنه مقام استدلال وحجة فيكفي أن يكون قادراً على إبلاغ مراده ولو بصعوبة وقد أزال الله عنه ذلك حين تفرغ لدعوة بني إسرائيل كما قال : { قد أوتيت سُؤْلك يا موسى } [ طه : 36 ] . ولعلّ فرعون قال ذلك لِما يعلم من حال موسى قبل أن يرسله الله حين كان في بيت فرعون فذكر ذلك من حالهِ ليذكِّر الناس بأمر قديم فإن فرعون الذي بُعث موسى في زمنه هو منفطاح الثاني وهو ابن رعمسيس الثاني الذي وُلد موسى في أيامه ورُبّي عنده ، وهذا يقتضي أن ( منفطاح ) كان يعرف موسى ولذلك قال له { أَلَمْ نُربِّكَ فِينا وَلِيداً ولَبِثْتَ فينا من عُمُرِكَ سنين } [ الشعراء : 18 ] .

وأما رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فلما أُرسل إلى أُمَّةٍ ذات فصاحة وبلاغة وَكانت معجزته القرآن المعجز في بلاغته وفصاحته وكانت صفة الرّسول الفصاحةَ لتكون له المكانةُ الجليلة في نفوس قومه .

ومعنى { ولا يكاد يبين } ويكاد أن لا يبين ، وقد تقدم القول في مثله عند قوله تعالى : { فذبحوها وما كَادوا يفعلون } في سورة البقرة ( 71 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} (52)

ثم صرح بحاله فقال : " أم أنا خير " قال أبو عبيدة والسدي : " أم " بمعنى " بل " وليست بحرف عطف ، على قول أكثر المفسرين . والمعنى : قال فرعون لقومه بل أنا خير " من هذا الذي هو مهين " أي لا عزله فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه " ولا يكاد يبين " يعني ما كان في لسانه من العقدة ، على ما تقدم في " طه " {[13650]} وقال الفراء :في " أم " وجهان : إن شئت جعلتها من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله ، وإن شئت جعلتها نسقا على قوله : " أليس لي ملك مصر " . وقيل : هي زائدة . وروى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون " أم " زائدة ، والمعنى أنا خير من هذا الذي هو مهين . وقال الأخفش : في الكلام حذف ، والمعنى : أفلا تبصرون أم تبصرون ، كما قال :

أيا ظبيةَ الوَعْسَاءِ بين جُلاجِلٍ *** وبين النَّقَا آأنتِ أم أمُّ سالم{[13651]}

أي أنت أحسن أم أمُّ سالم . ثم ابتداء فقال : ( أنا خير ) . وقال الخليل وسيبويه : المعنى " أفلا تبصرون " ، أم أنتم بصراء ، فعطف ب " أم " على " أفلا تبصرون " لأن معنى " أم أنا خير " أم أي تبصرون ، وذلك أنهم إذا قالوا له أنت خير منه كانوا عنده بصراء .

وروي عن عيسى الثقفي ويعقوب الحضرمي أنهما وقفا على " أم " على أن يكون التقدير أفلا تبصرون أم تبصرون ، فحذف تبصرون الثاني . وقيل من وقف على " أم " جعلها زائدة ، وكأنه وقف على " تبصرون " من قوله : " أفلا تبصرون " . ولا يتم الكلام على " تبصرون " عند الخليل وسيبويه ؛ لأن " أم " تقتضي الاتصال بما قبلها . وقال قوم : الوقف على قوله : " أفلا تبصرون " ثم ابتدأ " أم أنا خير " بمعنى بل أنا ، وأنشد الفراء :

بدت مثل قَرْن الشمس في رونق الضحى *** وصورتِها أمْ أنتِ في العين أملحُ

فمعناه : بل أنت أملح . وذكر الفراء أن بعض القراء قرأ " أما أنا خير " ؛ ومعنى هذا ألست خيرا . وروي عن مجاهد أنه وقف على " أم " ثم يبتدئ " أنا خير " وقد ذكر .


[13650]:راجع ج 11 ص 192.
[13651]:القائل هو ذو الرمة. والوعساء: رملة لينة. وجلاجل: موضع بعينه. والنقاء: الكثيب من الرمل.