التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ} (58)

والاستفهام في قوله : { آلهتنا خير أم هو } تقريري للعلم بأن النبي يفضل عيسى على آلهتهم ، أي فقد لزمك أنك جعلت أهلاً للنار مَن كنتَ تفضله فأمرُ آلهتنا هيّن .

وضمير الرفع في { ما ضربوه } عائد إلى ابن الزبعرى وقومه الذين أعجبوا بكلامه وقالوا بموجبه . وضمير النصب الغائب يجوز أن يكون عائداً إلى المثَل في قوله : { ولما ضرب ابن مريم مثلاً } ، أي ما ضربوا لك ذلك المثل إلا جدلاً منهم ، أي محاجة وإفحاماً لك وليسوا بمعتقدين هَوْن أمر آلِهَتِهِمْ عندهم ، ولا بِطالبين الميزَ بين الحق والباطل ، فإنهم لا يعتقدون أن عيسى خير من آلهتهم ولكنهم أرادوا مجاراة النبي في قوله ليُفْضوا إلى إلزامه بما أرادوه من المناقضة .

ويجوز أن يكون ضمير النصب في { ضربوه } عائداً إلى مصدر مأخوذ من فعل { وقالوا } ، أي ما ضربوا ذلك القول ، أي ما قالوه إلا جَدلا . فالضرب بمعنى الإيجاد كما يقال : ضرب بيتاً ، وقول الفرزدق :

ضَربتْ عليك العنكبوتُ بنسجها

والاستثناء في { إلا جدلاً } مفرّغ للمفعول لأجله أو للحال ، فيجوز أن ينتصب { جدلاً } على المفعول لأجله ، أي ما ضربوه لشيء إلاّ للجدل ، ويجوز أن يُنصب على الحال بتأويله بمجادلين أي ما ضربوه في حال من أحوالهم إلا في حال أنهم مجادلون لا مؤمنون بذلك .

وقوله : { بل هم قوم خصمون } إضراب انتقالي إلى وصفهم بحب الخصام وإظهارهم من الحجج ما لا يعتقدونه تمويهاً على عامتهم .

والخَصِم بكسر الصاد : شديد التمسك بالخصومة واللجاج مع ظهور الحق عنده ، فهو يُظهر أن ذلك ليس بحق .

وقرأ الجمهور { آلهتنا } بتسهيل الهمزة الثانية . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي بتخفيفها .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ} (58)

قوله تعالى : " وقالوا أآلهتنا خير أم هو " أي ألهتنا خير أم عيسى ؟ قال السدي . وقال : خاصموه وقالوا إن كل من عبد من دون الله في النار ، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى والملائكة وعزير ، فأنزل الله تعالى : " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " [ الأنبياء : 101 ] الآية . وقال قتادة : " أم هو " يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم . وفي قراءة ابن مسعود " ألهتنا خير أم هذا " . وهو يقوي قول قتادة ، فهو استفهام تقرير في أن آلهتهم خير . وقرأ الكوفيون ويعقوب " أألهتنا " بتحقيق الهمزتين ، ولين الباقون . وقد تقدم . " ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون " " ما ضربوه لك إلا جدلا " حال ، أي جدلين . يعني ما ضربوا لك هذا المثل إلا إرادة الجدل ؛ لأنهم علموا أن المراد بحصب جهنم ما اتخذوه من الموت " بل هم قوم خصمون " مجادلون بالباطل . وفي صحيح الترمذي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية - " ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون " ] .