التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ} (53)

لمّا تضمن وصفُه موسى بمَهين ولا يكاد يبين أنه مكذّب له دعواه الرسالة عن الله فرع عليه قوله : { فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب } ترقياً في إحالة كونه رسولاً من الله ، وفرعون لجهله أو تجاهله يخيّل لقومه أن للرسالة شعاراً كشعار الملوك .

و ( لَولا ) حرف تحْضيض مستعمل في التعجيز مثل ما في قوله { وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيمٍ } [ الزخرف : 31 ]

والإلقاء : الرمي وهو مستعمل هنا في الإنزال ، أي هلاّ ألقي عليه من السماء أساورة من ذهب ، أي سَوَّره الرّب بها ليجعله ملكاً على الأمة . وقرأ الجمهور { أساورة } ، وقرأ حفص عن عاصم ويعقوب { أسورة } .

والأساورة : جمع أُسْوار لغة في سِوَار . وأصل الجمع أساوير مخفف بحذف إشباع الكسرة ثم عوّض الهاء عن المحذوف كما عوضت في زنادقة جمع زِنديق إذ حقه زَناديق . وأما سوار فيجمع على أسورة .

والسوار : حلقة عريضة من ذهب أو فضة تحيط بالرسغ ، هو عند معظم الأمم من حلية النساء الحرائر ولذلك جاء في المثل : لَو ذاتُ سوار لَطمَتْني أي لو حُرّة لطمَتْني ، قاله أحد الأسرى لطمته أمة لقوم هو أسيرهم . وكان السوار من شعار الملوك بفارس ومصر يلبَس المَلِك سوارين . وقد كان من شعار الفراعنة لبس سوارين أو أسورة من ذهب وربما جعلوا سوارين على الرسغين وآخرين على العضدين . فلما تخيّل فرعون أن رتبة الرسالة مثل المُلك حَسب افتقادها هو من شعار الملوك عندهم أمارة على انتفاء الرسالة .

و { أو } للترديد ، أي إن لم تُلْق عليه أسَاورة من ذهب فلتجىءْ معه طوائف من الملائكة شاهدين له بالرسالة .

ولم أقف على أنهم كانوا يثبتون وجود الملائكة بالمعنى المعروف عند أهل الدين الإلهي فلعل فرعون ذكر الملائكة مجاراة لموسى إذ لعله سمع منه أن لله ملائكة أو نحو ذلك في مقام الدعوة فأراد إفحامه بأن يأتي معه بالملائكة الذين يظهرون له .

و { مقترنين } حال من { الملائكة } ، أي مقترنين معه فهذه الحال مؤكدة لِمعنى { معه } لئلا يحمل معنى المَعية على إرادة أن الملائكة تُؤيّده بالقول من قولهم : قرنتُه به فاقترن ، أي مقترنين بموسى وهو اقتران النصير لنصيره .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ} (53)

قوله تعالى : " فلولا " أي هلا " ألقي عليه أساورة من ذهب " إنما قال ذلك لأنه كان عادة الوقت وزي أهل الشرف . وقرأ حفص " أسورة " جمع سوار ، كخمار وأخمرة . وقرأ أبي " أساور " جمع إسوار . وابن مسعود " أساوير " . الباقون " أساورة " جمع الأسورة فهو جمع الجمع . ويجوز أن يكون " أساورة " جمع " إسوار " وألحقت الهاء في الجمع عوضا من الياء ، فهو مثل زناديق وزنادقة ، وبطاريق وبطارقة ، وشبهه . وقال أبو عمرو بن العلاء : واحد الأساورة والأساور والأساوير إسوار ، وهي لغة في سوار . قال مجاهد : كانوا إذا سوروا رجلا سوروه بسوارين وطوقوه بطوق ذهب علامة لسيادته ، فقال فرعون : هلا ألقى رب موسى عليه أساورة من ذهب إن كان صادقا ! " أو جاء معه الملائكة مقترنين " يعني متتابعين ، في قول قتادة . مجاهد : يمشون معا . ابن عباس : يعاونونه على من خالفه ، والمعنى : هلا ضم إليه الملائكة التي يزعم أنها عند ربه حتى يتكثر بهم ويصرفهم على أمره ونهيه ، فيكون ذلك أهيب في القلوب . فأوهم قومه أن رسل الله ينبغي أن يكونوا كرسل الملوك في الشاهد ، ولم يعلم أن رسل الله إنما أيدوا بالجنود السماوية ، وكل عاقل يعلم أن حفظ الله موسى مع تفرده ووحدته من فرعون مع كثرة أتباعه ، وإمداد موسى بالعصا واليد البيضاء كان أبلغ من أن يكون له أسورة أو ملائكة يكونون معه أعوانا - في قول مقاتل - أو دليلا على صدقه - في قول الكلبي - وليس يلزم هذا لأن الإعجاز كاف ، وقد كان في الجائز أن يكذب مع مجيء الملائكة كما كذب مع ظهور الآيات . وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى ؛ لأنه لا يؤمن بالملائكة من لا يعرف خالقهم .