وعُطف على جواب القسم { ما ينطق عن الهوى } وهذا وصف كمال لذاته . والكلام الذي ينطق به هو القرآن لأنهم قالوا فيه : { إن هذا إلا إفك افتراه } [ الفرقان : 4 ] وقالوا : { أساطير الأولين اكتتبها } [ الفرقان : 5 ] وذلك ونحوه لا يعدُو أن يكون اختراعه أو اختياره عن محبة لما يُخترع وما يُختار بقطع النظر عن كونه حقاً أو باطلاً ، فإن من الشعر حكمة ، ومنه حكاية واقعات ، ومنه تخيلات ومفتريات . وكله ناشىء عن محبة الشاعر أن يقول ذلك ، فأراهم الله أن القرآن داععٍ إلى الخير .
و { ما } نافية نفت أن ينطق عن الهوى .
والهوى : ميل النفس إلى ما تحبه أو تحب أن تفعله دون أن يقتضيه العقل السليم الحكيم ، ولذلك يختلف الناس في الهوى ولا يَختلفون في الحق ، وقد يحب المرء الحق والصواب . فالمراد بالهوى إذا أطلق أنه الهوى المجرد عن الدليل .
ونفي النطق عن هَوى يقتضي نفي جنس ما يَنْطق به عن الاتصاف بالصدور عن هوى سواء كان القرآن أو غيره من الإِرشاد النبوي بالتعليم والخطابة والموعظة والحكمة ، ولكن القرآن هو المقصود لأنه سبب هذا الرد عليهم .
واعلم أن تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن النطق عن هوى يقتضي التنزيه عن أن يفعل أو يحكم عن هوى لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة . ولذلك ورد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم « أنه يمزح ولا يقول إلا حقًّا » . وهنا تم إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله : { وما ينطق عن الهوى } .
قوله تعالى : " وما ينطق عن الهوى " قال قتادة : وما ينطق بالقرآن عن هواه " إن هو إلا وحي يوحى " إليه . وقيل : " عن الهوى " أي بالهوى ، قاله أبو عبيدة ، كقوله تعالى : " فاسأل به خبيرا{[14340]} " [ الفرقان : 59 ] أي فاسأل عنه . النحاس : قول قتادة أولى ، وتكون " عن " على بابها ، أي ما يخرج نطقه عن رأيه ، إنما هو بوحي من الله عز وجل ؛ لأن بعده : " إن هو إلا وحي يوحى " . وقد يحتج بهذه الآية من لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث . وفيها أيضا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل . وقد تقدم في مقدمة الكتاب حديث المقدام بن معد يكرب{[14341]} في ذلك والحمد لله . قال السجستاني : إن شئت أبدلت " إن هو إلا وحي يوحى " من " ما ضل صاحبكم " قال ابن الأنباري : وهذا غلط ؛ لأن " إن " الخفيفة لا تكون مبدلة من " ما " الدليل على هذا أنك لا تقول : والله ما قمت إن أنا لقاعد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.