التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ} (19)

وقوله : { فقُتل كيف قدّر } كلام معترض بين { فكّر وقدّر } وبين { ثم نظر } وهو إنشاء شتم مفرع على الإِخبار عنه بأنه فكر وقدّر لأن الذي ذكر يوجب الغضب عليه .

فالفاء لتفريع ذمه عن سيّىء فعله ومثله في الاعتراض قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر } [ النحل : 43 ، 44 ] .

والتفريع لا ينافي الاعتراض لأن الاعتراض وضع الكلام بين كلامين متصلين مع قطع النظر عما تألف منه الكلام المعترض فإن ذلك يجري على ما يتطلبه معناه . والداعي إلى الاعتراض هو التعجيل بفائدة الكلام للاهتمام بها . ومن زعموا أن الاعتراض لا يكون بالفاء فقد توهموا .

و { قُتِل } : دعاء عليه بأن يقتله قَاتل ، أي دعاء عليه بتعجيل مَوته لأن حياته حياة سيئة . وهذا الدعاء مستعمل في التعجيب من ماله والرثاءِ له كقوله : { قاتلهم الله } [ التوبة : 30 ] وقولهم : عَدِمْتُك ، وثَكلتْه أُمُّه ، وقد يستعمل مثله في التعجيب من حسن الحال يقال : قاتله الله ما أشجعه . وجعله الزمخشري كناية عن كونه بلغ مبلغاً يحسده عليه المتكلم حتى يتمنى له الموت . وأنا أحسب أن معنى الحسد غير ملحوظ وإنما ذلك مجرد اقتصار على ما في تلك الكلمة من التعجب أو التعجيب لأنها صارت في ذلك كالأمثال . والمقام هنا متعين للكناية عن سوء حاله لأن ما قَدره ليس مما يَغتبط ذوو الألباب على إصابته إذ هو قد ناقض قوله ابتداء إذ قال : ما هو بعَقْدِ السحرة ولا نفثهم وبَعد أن فكّر قال : { إن هذا إلاّ سحر يؤثر } فناقض نفسه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ} (19)

" فقتل " أي لعن . وكان بعض أهل التأويل يقول : معناها فقهر وغلب ، وكل مذلل مقتل ، قال الشاعر{[15574]} :

وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي *** بسهميك في أعشار قلب مقتل

وقال الزهري : عذب ، وهو من باب الدعاء . " كيف قدر " قال ناس : " كيف " تعجيب ، كما يقال للرجل تتعجب من صنيعه : كيف فعلت هذا ؟ وذلك كقوله : " انظر كيف ضربوا لك الأمثال " [ الإسراء : 48 ] .


[15574]:هو امرؤ القيس.