التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ} (33)

وإدبار الليل : اقتراب تقضيه عند الفجر ، وإسفار الصبح : ابتداء ظهور ضوء الفجر .

وكل من { إذْ } و { إذَا } واقعان اسمي زمان منتصبان على الحال من الليل ومن الصبح ، أي أُقسم به في هذه الحالة العجيبة الدالة على النظام المحكم المتشابه لمحو الله ظلمات الكفر بنور الإِسلام قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } [ إبراهيم : 1 ] .

وقد أجريت جملة { إنها لإِحدى الكبر } مجرى المثل .

ومعنى { إحدى } أنها المتوحدة المتميزة من بين الكبر في العظم لا نظيرة لها كما يقال : هو أحدَ الرجال لا يراد : أنه واحد منهم ، بل يراد : أنه متوحد فيهم بارز ظاهر ، كما تقدم في قوله : { ذرني ومن خلقت وحيداً } [ المدثر : 11 ] ، وفي المثل « هذه إحدى حُظَيَّات لقمان » .

وقرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف { إذْ أدبر } بسكون ذال { إذ } وبفتح همزة { أدبر } وإسكان داله ، أقسم بالليل في حالة إدباره التي مضت وهي حالة متجددة تَمضي وتَحْضُر وتُستْقبل ، فأي زمن اعتبر معها فهي حقيقة بأن يُقسم بكونها فيه ، ولذلك أقسم بالصبح إذَا أسفر مع اسم الزمن المستقبل . وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والكسائيّ وأبو جعفر { إِذَا دَبَر } بفتح الذال المعجمة من { إذا } بعدها ألف ، وبفتح الدّال المهملة من دَبَر على أنه فعل مضي مجرد ، يقال : دَبَر ، بمعنى : أدبر ، ومنه وصفه بالدّابر في قولهم : أمسسِ الدّابرِ ، كما يقال : قبل بمعنَى أقبل ، فيكون القسم بالحالة المستقبلة من إدبار الليل بعد نزول الآية ، على وزان { إذَا أسفر } في قراءة الجميع ، وكل ذلك مستقيم فقد حصل في قراءة نافع وموافقيه تفنن في القسم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ} (33)

" والليل إذا أدبر " أي ولى وكذلك " دبر " . وقرأ نافع وحمزة وحفص " إذ أدبر " الباقون " إذا " بألف و " دبر " بغير ألف وهما لغتان بمعنى ، يقال دبر وأدبر ، وكذلك قبل الليل وأقبل . وقد قالوا : أمس الدابر والمدبر ، قال صخر بن عمرو بن الشريد السلمي :

ولقد قتلناكم ثُنَاءً ومَوْحَدًا *** وتركتُ مَرَّةً مثلَ أمْسِ الدَّابِرِ

ويروي المدبر . وهذا قول الفراء والأخفش .

وقال بعض أهل اللغة : دبر الليل : إذا مضى ، وأدبر : أخذ في الإدبار . وقال مجاهد : سألت ابن عباس عن قوله تعالى : " والليل إذا دبر " فسكت حتى إذا دبر قال : يا مجاهد ، هذا حين دبر الليل . وقرأ محمد بن السميقع " والليل إذا أدبر " بألفين ، وكذلك في مصحف عبد الله وأبي بألفين . وقال قطرب من قرأ " دبر " فيعني أقبل ، من قول العرب دبر فلان : إذا جاء من خلفي . قال أبو عمرو : وهي لغة قريش . وقال ابن عباس في رواية عنه : الصواب : " أدبر " ، إنما يدبر ظهر البعير . واختار أبو عبيد : " إذا أدبر " قال : لأنها أكثر موافقة للحروف التي تليه ؛ ألا تراه يقول : " والصبح إذا أسفر " ، فكيف يكون أحدهما " إذ " والآخر " إذا " وليس في القرآن قسم تعقبه " إذ " وإنما يتعقبه " إذا " .