التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَٱلسَّـٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا} (4)

{ فالسابقات } هي السابقات من السابحات . والسبق : تجاوز السائر من يَسير معه ووصوله إلى المكان المسير إليه قبله . ويطلق السبق على سرعة الوصول من دون وجود سائر مع السابق قال تعالى : { فاستبقوا الخيرات } [ البقرة : 148 ] وقال : { أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } [ المؤمنون : 61 ] .

ويطلق السبق على الغلب والقهر ، ومنه قوله تعالى : { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } [ العنكبوت : 4 ] وقول مُرة بن عداء الفقعسي :

كأنكَ لم تُسْبَق من الدهر ليلةً *** إذا أنتَ أدْرَكت الذي كنتَ تطلُب

فقولُه تعالى : { فالسابقات سبقاً } يصلح للحمل على هذه المعاني على اختلاف محامل وصف السابحات بما يناسب كل احتمال على حِيالِه بأن يراد السائرات سيراً سريعاً فيما تعلمه ، أو المبادرات . وإذا كان { السابحات } بمعنى الخيل كان { السابقات } إن حمل على معنى المسرعات كناية عن عدم مبالاة الفرسان بعدوّهم وحرصهم على الوصول إلى أرض العدوّ ، أو على معنى غلبهم أعداءهم .

وأكد بالمصدر المرادف لمعناه وهو { سبقا } للتأكيد ولدلالة التنكير على عظم ذلك السبق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱلسَّـٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا} (4)

قوله تعالى : " فالسابقات سبقا " قال علي رضي الله عنه : هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء عليهم السلام . وقاله مسروق ومجاهد . وعن مجاهد أيضا وأبي روق : هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح . وقيل : تسبق بني آدم إلى العمل الصالح فتكتبه . وعن مجاهد أيضا : الموت يسبق الإنسان . مقاتل : هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة . ابن مسعود : هي أنفس المؤمنين تسبق ، إلى الملائكة الذين يقبضونها وقد عاينت السرور ، شوقا إلى لقاء الله تعالى ورحمته . ونحوه عن الربيع ، قال : هي النفوس تسبق بالخروج عند الموت . وقال قتادة والحسن ومعمر : هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير . عطاء : هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد . وقيل : يحتمل أن تكون السابقات ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار . قاله الماوردي . وقال الجرجاني : ذكر " فالسابقات " بالفاء لأنها مشتقة من التي قبلها ، أي واللائي يسبحن فيسبقن ، تقول : قام فذهب ، فهذا يوجب أن يكون القيام سببا للذهاب ، ولو قلت : قام وذهب ، لم يكن القيام سببا للذهاب .