التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلسَّـٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا} (3)

و { السابحات } صفة من السبح المجازي ، وأصل السبح العَوْم وهو تنقل الجسم على وجه الماء مباشرة وهو هنا مستعار لسرعة الانتقال ، فيجوز أن يكون المراد الملائكة السائرين في أجواء السماوات وآفاق الأرض ، وروي عن علي بن أبي طالب .

ويجوز أن يراد خِيل الغزاة حين هجومها على العدوّ سريعة كسرعة السابح في الماء كالسابحات في قول امرىء القيس يصف فرساً :

مُسِحٌ إذا ما السابحات على الونى *** أثرن الغبار بالكديد المركَّل

وقيل : { السابحات } النجوم ، وهو جار على قول من فسر النازعات بالنجوم ، { وسبحا } مصدر مؤكد لإِفادة التحقيق مع التوسل إلى تنوينه للتعظيم ، وعطف { فالسابقات } بالفاء يؤذن بأن هذه الصفة متفرعة عن التي قبلها لأنهم يعطفون بالفاء الصفات التي شأنها أن يتفرع بعضها عن بعض كما تقدم في قوله تعالى : { والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكرا } [ الصافات : 1 3 ] قول ابن زيابة :

يا لهفَ زَيَّابَةَ للحارث الصّ *** ابح فالغائم فالآيب

فلذلك { فالسابقات } هي السابقات من السابحات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلسَّـٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا} (3)

قوله تعالى : " والسابحات سبحا " قال علي رضي الله عنه : هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين . الكلبي : هي الملائكة تقبض أرواح المؤمنين ، كالذي يسبح في الماء ، فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع ، يسلونها سلا رفيقا بسهولة ، ثم يدعونها حتى تستريح . وقال مجاهد وأبو صالح : هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله ، كما يقال للفرس الجواد سابح : إذا أسرع في جريه . وعن مجاهد أيضا : الملائكة تسبح في نزولها وصعودها . وعنه أيضا : السابحات : الموت يسبح في أنفس بني آدم . وقيل : هي الخيل الغزاة . قال عنترة :

والخيلُ تعلَمُ حين تَسْ *** بَح في حياض الموت سَبْحَا

وقال امرؤ القيس :

مِسَحٍّ إذا ما السابحاتُ على الوَنَى *** أثَرْنَ غُباراً بالكَدِيدِ المُرَكَّلِ{[15767]}

قتادة والحسن : هي النجوم تسبح في أفلاكها ، وكذا الشمس والقمر . قال الله تعالى : " كل في فلك يسبحون " . عطاء : هي السفن تسبح في الماء . ابن عباس : السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله ورحمته حين تخرج .


[15767]:مسح: بصب الجري. الونى: الفتور. الكديد: الموضع الغليظ. المركل: الذي يركل بالأرجل. ومعنى البيت: إن الخيل السريعة إذا فترت فأثارت الغبار بأرجلها من التعب، جر ى هذا الفرس جريا سهلا كما يسح السحاب المطر.