التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} (14)

وفاء { فإذا هم بالساهرة } للتفريع على جملة { إنما هي زجرة واحدة } . و ( إذا ) للمفاجأة ، أي الحصول دون تأخير فحصل تأكيد معنى التفريع الذي أفادته الفاء وذلك يفيد عدم الترتب بين الزجرة والحصول في الساهرة .

والزَّجرة : المرَّة من الزجر ، وهو الكلام الذي فيه أمر أو نهي في حالة غضب ، يقال : زجر البعير ، إذا صاح له لينهض أو يسير ، وعبر بها هنا عن أمر الله بتكوين أجساد الناس الأموات تصويراً لما فيه من معنى التسخير لتعجيل التكوُّن . وفيه مناسبة لإِحياء ما كان هامداً كما يُبعث البعير البارك بزجرة ينهض بها سريعاً خوفاً من زاجره . وقد عبر عن ذلك بالصيحة في قوله تعالى : { يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج } [ ق : 42 ] وهو الذي عبَّر عنه بالنفخ في الصُّور .

ووصفت الزجرة بواحدة تأكيداً لما في صيغة المرة من معنى الوحدة لئلا يتوهم أن إِفراده للنوعية ، وهذه الزجرة هي النفخة الثانية التي في قوله تعالى : { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } [ الزمر : 68 ] فهي ثانية للتي قبلها ، وهي { الرادفة التي تقدم ذكرها آنفاً وإنما أريد بكونها واحدة أنها لا تُتبع بثانيةٍ لها ، وقد وصفت بواحدة في صورة الحاقة بهذا الاعتبار .

والساهرة : الأرض المستوية البيضاء التي لا نبات فيها يُختار مثلُها لاجتماع الجموع ووضْعِ المغانم . وأريد بها أرض يجعلها الله لجمع الناس للحشر .

والإِتيان ب ( إذا ) الفجائية للدلالة على سرعة حضورهم بهذا المكان عقب البعث .

وعطفها بالفاء لتحقيق ذلك المعنى الذي أفادته ( إذا ) لأن الجمع بين المفاجأة والتفريع أشد ما يعبر به عن السرعة مع إيجاز اللفظ .

والمعنى : أن الله يأمر بأمر التكوين بخلق أجسادٍ تحلّ فيها الأرواح التي كانت في الدنيا فتحضر في موقف الحشر للحساب بسرعة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} (14)

" فإذا هم " أي الخلائق أجمعون " بالساهرة " أي على وجه الأرض ، بعد ما كانوا في بطنها . قال الفراء : سميت بهذا الاسم ؛ لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم . والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة ، بمعنى ذات سهر ؛ لأنه يسهر فيها خوفا منها ، فوصفها بصفة ما فيها ، واستدل ابن عباس والمفسرون بقول أمية ابن أبي الصلت :

وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحرٌ *** وما فاهوا به لهُمُ مُقِيمُ

وقال آخر يوم ذي قار لفرسه :

أقدم مَحَاجِ إنها الأسَاوِرَهْ *** ولا يَهُولَنَّكَ رِجْل{[15772]} نادِرَهْ

فإنما قصرُكَ تُرْبُ السَّاهِرَهْ *** ثم تعودُ بعدَهَا في الحَافِرَهْ

من بعد ما صرت عظاما ناخره

وفي الصحاح . ويقال : الساهور : ظل الساهرة ، وهي وجه الأرض . ومنه قوله تعالى : " فإذا هم بالساهرة " ، قال أبو كبير الهذلي :

يَرْتَدْنَ ساهرةً كان جَمِيمُهَا *** وعَمِيمُهَا أَسْدَاف ليلٍ مُظْلِمِ{[15773]}

ويقال : الساهور : كالغلاف{[15774]} للقمر يدخل فيه إذا كسف ، وأنشدوا قول أمية بن أبي الصلت{[15775]} :

قمرٌ وساهورٌ يُسَلُّ ويُغْمَدُ

وأنشدوا لآخر في وصف امرأة :

كأنها عرقُ سامٍ عند ضارِبِهِ *** أو شُقَّةٌ{[15776]} خرجَتْ من جوفِ سَاهُورِ

يريد شقة القمر . وقيل : الساهرة : هي الأرض البيضاء . وروى الضحاك عن ابن عباس قال : أرض من فضة لم يعص الله جل ثناؤه عليها قط خلقها حينئذ . وقيل : أرض جددها الله يوم القيامة . وقيل : الساهرة اسم الأرض السابعة يأتي بها الله تعالى فيحاسب عليها الخلائق ، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض . وقال الثوري : الساهرة : أرض الشام . وهب بن منبه : جبل بيت المقدس . عثمان بن أبي العاتكة : إنه اسم مكان من الأرض بعينه ، بالشام ، وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء وجبل حسان{[15777]} يمده الله كيف يشاء . قتادة : هي جهنم أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم . وإنما قيل لها ساهرة ؛ لأنهم لا ينامون عليها حينئذ . وقيل : الساهرة : بمعنى الصحراء على سفير جهنم ، أي يوقفون بأرض القيامة ، فيدوم السهر حينئذ . ويقال : الساهرة : الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك ؛ لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة : جارية الماء ، وفي ضدها : نائمة ، قال الأشعث بن قيس :

وساهرةٍ يُضحي السرابُ مُجَلِّلا *** لأقطارها قد جئتُهَا مُتَلَثِّمَا

أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة .


[15772]:هذه الأبيات للهمداني يوم القادسية وقد تقدم ذكرها. محاج: اسم فرس الشاعر. وفي اللسان مادة "نخر" أقدم أخانهم. ولا تهولنك رءوس. وفي السمين: بادره.
[15773]:الجميم بالجيم: النبت الذي قد نبت وارتفع قليلا ولم يتم كل النمام، وللعميم المكتمل التام من النبت، والأسداف: جمع سدف بالتحريك، وهو ظلمة الليل.
[15774]:هذا كما تزعم العرب في الجاهلية.
[15775]:وصدر البيت : * لا نقص فيه غير أن خبيثة *
[15776]:كذا في نسخ الأصل التي بأيدينا. والذي في اللسان مادة "سهر": أو فلقة.
[15777]:ذكره الطبري أيضا.