التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} (6)

وجملة { يوم ترجف الراجفة } إلى { خاشعة } جوابُ القسم وصريحُ الكلام موعظة . والمقصود منه لازمه وهو وقوع البعث لأن القلوب لا تكون إلا في أجسام . وقد علم أن المراد ب { يوم ترجف الراجفة } هو يوم القيامة لأنه قد عُرِّف بمثل هذه الأحوال في آيات كثيرة مما سبق نزوله مثل قوله : { إذا رجت الأرض } فكان في هذا الجواب تهويل ليوم البعث وفي طيه تحقيق وقوعه فحصل إيجاز في الكلام جامع بين الإِنذار بوقوعه والتحذير مما يجري فيه .

و { يوم ترجف الراجفة } ظرف متعلق ب { واجفة } فآل إلى أن المقسم عليه المراد تحقيقه هو وقوع البعث بأسلوب أوقع في نفوس السامعين المنكرين من أسلوب التصريح بجواب القسم ، إذ دل على المقسم عليه بعض أحواله التي هي من أهواله فكان في جواب القسم إنذار .

ولم تقرن جملة الجواب بلام جواب القسم لبعد ما بين الجواب وبين القسم بطول جملة القسم ، فيظهر لي من استعمال البلغاء أنه إذا بعد ما بين القسم وبين الجواب لا يأتون بلام القسم في الجواب ، ومن ذلك قوله تعالى : { والسماء ذات البروج } إلى { قتل أصحاب الأخدود } [ البروج : 1 4 ] . ومثله كثير في القرآن فلا يؤتى بلام القسم في جوابه إلا إذا كان الجواب موالياً لجملة القسم نحو { وتالله لأكيدن أصنامكم } [ الأنبياء : 57 ] { فوربك لنسألنهم أجمعين } [ الحجر : 92 ] ، ولأن جواب القسم إذا كان جملة اسمية لم يكثر اقترانه بلام الجواب ولم أر التصريح بجوازه ولا بمنعه ، وإن كان صاحب « المغني » استظهر في مبحث لام الجواب في قوله تعالى : { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند اللَّه خير } [ البقرة : 103 ] أن اللام لام جواب قسم محذوف وليست لام جواب ( لو ) بدليل كون الجملة اسمية ، والاسمية قليلة من جواب ( لو ) فلم يرَ جملة الجواب إذا كانت اسمية أن تقترن باللام . وجعل صاحب « الكشاف » تبعاً للفراء وغيره جواب القسم محذوفاً تقديره : لتُبعثُنَّ .

وقُدم الظرف على متعلقة لأن ذلك الظرف هو الأهمّ في جواب القَسَم لأنه المقصود إثبات وقوعه ، فتقديم الظرف للاهتمام به والعناية به فإنه لما أكد الكلام بالقسم شمل التأكيدُ متعلقات الخبر التي منها ذلك الظرف ، والتأكيد اهتمام ، ثم أكد ذلك الظرف في الأثناء بقوله : { يومئذ } الذي هو يوم ترجف الراجفة فحصلت عناية عظيمة بهذا الخبر .

والرجف : الاضطراب والاهتزاز وفعله من باب نصَر . وظاهر كلام أهل اللغة أنه فعل قاصر ولم أر من قال : إنه يستعمل متعدياً ، فلذلك يجوز أن يكون إسناد { ترجف } إلى { الراجفة } حقيقياً ، فالمراد ب { الراجفة } : الأرض لأنها تضطّرب وتهتزّ بالزلازل التي تحصل عند فناء العالم الدنيوي والمصير إلى العالم الأخروي قال تعالى : { يوم ترجف الأرض والجبال } [ المزمل : 14 ] وقال : { إذا رجت الأرض رجاً } [ الواقعة : 4 ] وتأنيث { الراجفة } لأنها الأرض ، وحينئذ فمعنى { تتبعها الرادفة } أن رجفة أخرى تتبع الرجفة السابقة لأن صفة { الراجفة } تقتضي وقوع رجفة ، فالرادفة رجفة ثانية تتبع الرجفة الأولى .

ويجوز أن يكون إسناد { ترجف } إلى { الراجفة } مجازاً عقلياً ، أطلق { الراجفة } على سبب الرجف .

فالمراد ب { الراجفة } الصيحة والزلزلة التي ترجف الأرض بسببها جعلت هي الراجفة مبالغة كقولهم : عيشة راضية ، وهذا هو المناسب لقوله : { تتبعها الرادفة } أي تتبع تلك الراجفة ، أي مسبّبة الرجف رادفة ، أي واقعة بعدها .

ويجوز أن يكون الرجف مستعاراً لشدة الصوت فشبه الصوت الشديد بالرجف وهو التزلزل .

وتأنيث { الراجفة } على هذا لتأويلها بالواقعة أو الحادثة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} (6)

5

و " ترجف " أي تضطرب . والراجفة : أي المضطربة كذا قال عبد الرحمن بن زيد . قال : هي الأرض ، والرادفة الساعة . مجاهد : الراجفة الزلزلة " تتبعها الرادفة " الصيحة . وعنه أيضا وابن عباس والحسن وقتادة : هما الصيحتان . أي النفختان . أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى ، وأما الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى . وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بينهما أربعون سنة ) وقال مجاهد أيضا : الرادفة حين تنشق السماء وتحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة ، وذلك بعد الزلزلة .

وقيل : الراجفة تحرك الأرض ، والرادفة زلزلة أخرى تفني الأرضين " . فالله أعلم . وقد مضى في آخر " النمل " {[15768]} ما فيه كفاية في النفخ في الصور . وأصل الرجفة الحركة ، قال الله تعالى : " يوم ترجف الأرض " وليست الرجفة ههنا من الحركة فقط ، بل من قولهم : رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا : أي أظهر الصوت والحركة ، ومنه سميت الأراجيف ، لاضطراب الأصوات بها ، وإفاضة الناس فيها ، قال :

أبالأراجيف يا ابنَ اللُّؤْمِ تُوعدني *** وفي الأراجيف خلتُ اللؤمَ والخَوَرَا{[15769]}

وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب ربع الليل قام ثم قال : ( يا أيها الناس أذكروا الله ، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه ) .


[15768]:راجع جـ 13 ص 239 فما بعدها.
[15769]:قائله منازل بن ربيعة المنقري في هجو رؤبة والعجاج: والرواية المشهورة للبيت كما في كتب النحو كشرح التصريح وغيره هي: أبا لأراجيز يابن اللؤم توعدني *** وفي الأراجيز ـ خلت ـ اللؤم والخور. والأراجيز جمع أرجوزة، وهي القصائد الجارية على مجر الزجر: وفي الأراجيز خبر مقدم واللؤم مبتدأ مؤخر وتوسط (خلت) بين المبتدأ والخبر أبطل عملها، وهو موضع الشاهد في البيت عند النحاة. وقيل لا يمتنع النصب على أن يقدر مبتدأ أي (أما).